اعتماد “شام كاش” لصرف مستحقات القمح يثير ارتباكًا ومخاوف لدى المزارعين السوريين
أثار قرار الحكومة السورية اعتماد تطبيق “شام كاش” كمنصة رئيسة للتعاملات المالية، بما في ذلك صرف أثمان القمح للمزارعين بالدولار الأمريكي وعلى أربع دفعات، موجة من القلق والارتباك في الأوساط الزراعية، وذلك منذ إعلان المؤسسة العامة للحبوب في 25 من حزيران الماضي عن هذا التحول.
ورغم أن الخطوة تعد سابقة في تسديد المستحقات بالدولار، إلا أنها لم تبدد مخاوف الفلاحين، الذين اعتادوا على التعامل مع المصرف الزراعي كجهة تقليدية لصرف أثمان المحاصيل. وعبّر العديد من المزارعين عن خشيتهم من تعقيد الإجراءات وصعوبة التعامل مع المنصة الرقمية، في ظل غياب التدريب والتوعية الكافية، ومحدودية خبرة فئة واسعة منهم في استخدام التطبيقات الإلكترونية.
ويرى مراقبون أن الاعتماد على “شام كاش” في ملفات حساسة كصرف مستحقات القمح، يتطلب وضوحًا أكبر في آليات التنفيذ وضمان حقوق المزارعين، تحاشيًا لتحول المشروع الرقمي إلى عبء إضافي بدلاً من أن يكون وسيلة تسهيل.
مخاوف مبررة وتحديات الإنتاج
يواجه مزارعو القمح في عدد من المحافظات السورية، لا سيما في الشمال والجنوب، أزمة حقيقية هذا الموسم، نتيجة تدني إنتاج المحصول، وغياب وضوح آلية تسليم المستحقات المالية، ما يهدد استقرارهم المعيشي.
وبحسب مدير مركز الحبوب في محافظة القنيطرة، ياسر الفحيلي، فإن إنتاج القمح البعلي هذا العام تراجع بشكل حاد، حيث لم يسجل أي كيلوغرام للدونم الواحد في بعض المناطق، وهو ما يشكل نحو 75% من المساحات المزروعة في المحافظة. في المقابل، بلغ إنتاج القمح المروي من الآبار 250 كيلوغرامًا للدونم كحد أقصى.
وأوضح الفحيلي أن المؤسسة العامة للحبوب طلبت من المزارعين الذين يمتلكون أكثر من ثلاثة أطنان من القمح تجهيز الوثائق المطلوبة، وإنشاء حساب على تطبيق “شام كاش”. لكن حتى تاريخه، لم يتم تسليم أي دفعة مالية للمزارعين في القنيطرة، مرجعاً السبب إلى تأخر نضج المحصول واعتماد بعض الفلاحين على الحصاد اليدوي.
من جهته، أشار المزارع عدي شهاب لـ “عنب بلدي” إلى أن انخفاض الإنتاج دفع العديد من المزارعين إلى بيع محاصيلهم لتجار محليين نقدًا، لتجنب التأخير والإجراءات المرتبطة ببرنامج “شام كاش”.
وترافقت هذه الأوضاع مع شكاوى عديدة رصدتها “عنب بلدي” على مواقع التواصل الاجتماعي، عبّر فيها مزارعون عن قلقهم من تأخر صرف مستحقاتهم وتراكم ديونهم الزراعية، خاصة في ظل انخفاض سعر صرف الدولار المتوقع، ما قد يتسبب بخسائر إضافية لهم، حيث جرت عمليات الشراء والاستثمار الزراعي بأسعار صرف مرتفعة.
قرارات “غير حكيمة” وانعكاسات سلبية
وصفت المهندسة الزراعية راقية الشاعر، التي تعمل في الهيئة العامة لإدارة وتنمية وحماية البادية (فرع السويداء)، قرار وزارة الاقتصاد والتجارة السورية بأنه “غير حكيم”. وأشارت في حديثها لـ “عنب بلدي” إلى أن شريحة المزارعين تواجه صعوبات جدية في استخدام التطبيقات الرقمية، خاصة في ظل غياب الإمكانيات التقنية المناسبة وضعف تغطية الإنترنت في العديد من المناطق الزراعية.
وأضافت الشاعر أن “شام كاش” يعاني من أعطال تقنية متكررة وتوقفات مفاجئة، مما يجعله “غير موثوق لصرف مستحقات رئيسة”، ويرفع من الأعباء على المزارعين، كما سبق أن أثقل كاهل الموظفين. وأوضحت أن هذا القرار قد يؤدي إلى عزوف المزارعين عن تسليم محاصيلهم للمؤسسات الحكومية، واتجاههم لبيعها لتجار السوق المحلية نقدًا، ما يفتح الباب أمام فقدان كميات كبيرة من القمح لمصلحة السوق السوداء. ووصفت الشاعر القرار بأنه “فاشل”، داعيةً الحكومة إلى التراجع عنه ووضع آلية أكثر واقعية.
رد الحكومة: التحول الرقمي وتخفيف الأعباء
في المقابل، أوضحت وزارة الاقتصاد، عبر مدير المكتب الإعلامي فيها، حسن الأحمد، أن قرار صرف مستحقات مزارعي القمح عبر منصة “شام كاش” يأتي في سياق “التوجه الحكومي نحو التحول الرقمي، وتخفيف الاعتماد على التداول النقدي المباشر” وما يحمله من مخاطر.
وبحسب الأحمد، فإن الدفع الإلكتروني يُخفف أيضًا من “الأعباء اللوجستية” على الفلاحين، خاصة فيما يتعلق بتكاليف التنقل. وأكد أن الوزارة أجرت تقييمًا مسبقًا وأقرت بوجود صعوبات متوقعة في البداية، إلا أن فرق الدعم الميداني تعمل على تسهيل الإجراءات، مشيراً إلى “ارتياح ملحوظ” لدى شريحة واسعة من المزارعين، بحسب قوله.
وأضاف أن اعتماد أسلوب الدفع على دفعات يهدف إلى “تخفيف الضغط على البنك المركزي في ظل التحديات المتعلقة بالسيولة النقدية”. وأكد الأحمد أن كافة المستحقات ستُصرف بالدولار الأمريكي عبر “شام كاش”، مشيراً إلى أن دفعات بالدولار تم صرفها فعليًا في عدد من المناطق. وشدد على أن الإجراءات تهدف إلى التبسيط والشفافية، مع الإبقاء على خطط بديلة تشمل إعادة تفعيل بعض وسائل الدفع التقليدية، في حال ظهور تحديات.
وفي ظل التحول الرقمي الذي تسعى الحكومة السورية لاعتماده في المعاملات المالية، يبقى نجاح تجربة “شام كاش” مرهونًا بمدى جاهزية البنية التحتية، واستعداد الجهات المعنية لمعالجة التحديات التقنية واللوجستية التي قد تواجه الفلاحين، خصوصاً في المناطق الريفية، لضمان وصول المستحقات بيسر وعدالة، دون أن يتحول التحول الرقمي إلى عبء إضافي على كاهل المنتج الزراعي.
اقرأ ايضاً: “الاقتصاد” تمنع استيراد القمح خلال موسم 2025 لدعم المنتج المحلي