احتكار السلطة يثير مخاوف بشأن مستقبل الحكم في سوريا
بعد مرور عام على سقوط نظام بشار الأسد، تمكنت سوريا من تحقيق تقدم ملحوظ على صعيد علاقاتها الخارجية، تمثل في كسر العزلة الدولية وفتح قنوات تواصل مع عدد من الدول الغربية، إلى جانب الحصول على دعم سياسي من حلفاء جدد مثل تركيا والسعودية وقطر.
غير أن هذا التحسن الخارجي لا يعكس بالضرورة واقع المشهد الداخلي في البلاد، الذي يشهد تصاعداً في مؤشرات التوتر وتساؤلات متزايدة حول طبيعة النظام السياسي الناشئ.
تركيز السلطة داخل دائرة محدودة
في هذا السياق، نشرت مجلة “فورين أفيرز” التابعة لمجلس العلاقات الخارجية الأميركي مقالاً بعنوان “بوادر أزمة تتشكل في سوريا”، أشارت فيه إلى أن التحول الدولي الذي حققه الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع كان أمراً يصعب تصوره قبل عام واحد فقط، إلا أن هذه النجاحات الدبلوماسية تخفي، وفق المجلة، تحديات داخلية عميقة.
ووفقاً للمقال، فإن أسلوب الحكم الذي مكن “هيئة تحرير الشام” بقيادة الشرع من الوصول إلى دمشق، بات يشكل اليوم عائقاً أمام عملية بناء الدولة، حيث تتركز السلطة ضمن دائرة ضيقة من القيادات السابقة في الهيئة، في حين تبقى المؤسسات الرسمية مثل الحكومة والبرلمان قائمة من حيث الشكل، لكنها محدودة التأثير الفعلي.
كما يشير التقرير إلى غياب آليات واضحة لتوزيع السلطة أو محاسبة القيادة، إلى جانب عدم وجود رؤية سياسية متكاملة لمستقبل البلاد.
قلق متزايد لدى المكونات المجتمعية
يتزامن ذلك مع استمرار حالة القلق لدى الأقليات الدينية والإثنية، إضافة إلى شرائح من الأغلبية السنية، التي لا تزال مترددة بشأن موقعها في سوريا الجديدة، وسط مخاوف من هيمنة توجه سياسي واحد على القرار.
وقد برزت هذه التوترات بشكل أوضح في شمال شرق البلاد، مع دخول قوات الحكومة الانتقالية إلى مناطق كانت خاضعة لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” لسنوات طويلة.
ورغم أن الاتفاق الأخير بين الطرفين، والذي يمهد لدمج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة، قد يسهم في تخفيف التوتر، إلا أن المجلة تعتبر أن هذا المسار لا يزال هشاً ويحتاج إلى استكمال فعلي، مع التحذير من أن تعثر المرحلة الانتقالية قد يعيد البلاد إلى دوامات العنف، بما يهدد المكاسب التي تحققت على صعيد الدعم الدولي.
انتقال سياسي هش رغم مؤشرات تنظيمية
ورغم نجاح الشرع في توحيد عشرات الفصائل المسلحة ضمن إطار جيش واحد دون اندلاع صراعات داخلية، وهو ما يُعد إنجازاً لافتاً، إلا أن عملية الانتقال السياسي لا تزال توصف بالهشاشة.
وتوضح المجلة أن السلطات الجديدة، وإن لم تتبنَّ أجندة إسلامية متشددة وركزت على بناء المؤسسات، وشكّلت حكومة وبرلماناً يضمان شخصيات متنوعة من بينها نساء وفاعلون من المجتمع المدني، إلا أن هذا التنوع يبقى شكلياً إلى حد كبير، في ظل استمرار تركّز السلطة بيد مجموعة محدودة من قيادات الهيئة السابقة.
كما يشير التقرير إلى أنه تم حل جميع الأحزاب السياسية دون السماح بتأسيس بدائل، ما يعزز المخاوف من إمكانية تشكل نظام سلطوي جديد.
تحديات أمنية متواصلة
تتزامن هذه المخاوف مع تحديات أمنية متزايدة، حيث تم استخدام القوة بشكل مفرط في بعض العمليات الأمنية، كما حدث في مناطق الساحل والسويداء، ما أدى إلى سقوط مئات المدنيين وظهور توترات ذات طابع طائفي.
وفي ظل هذه المعطيات، لا تزال الدولة تواجه صعوبات في فرض الأمن بشكل كامل، مع استمرار نشاط شبكات إجرامية وفصائل مسلحة في عدد من المناطق.
خلاصة وتحذيرات من مسار المرحلة الانتقالية
ترى مجلة “فورين أفيرز” أن جوهر الإشكالية يكمن في أن المرحلة الانتقالية لم تكتمل بعد، وأن المؤسسات الجديدة لم تنجح حتى الآن في إقناع السوريين بأنها تمثلهم فعلياً أو تحمي مصالحهم.
كما أن القيادة، رغم بعض الخطوات التنظيمية، لم تقدم تنازلات سياسية جوهرية، ولم تطرح تصوراً واضحاً لتوزيع السلطة.
وتضيف أن عملية إعادة بناء الدولة تم التعامل معها إلى حد كبير كمسألة إدارية، في حين أن البعد السياسي والاجتماعي لا يقل أهمية عن ذلك.
الطريق نحو الاستقرار
وتخلص المجلة إلى أن تحقيق استقرار طويل الأمد في سوريا يتطلب انفتاحاً سياسياً حقيقياً، يقوم على توسيع قاعدة المشاركة، وتعزيز دور المؤسسات، والسماح بتعددية سياسية، إضافة إلى دمج مختلف المكونات، بما فيها الأكراد، بشكل متساوٍ في العملية السياسية.
وترى أن التمسك بالسلطة ضمن دائرة ضيقة قد يؤدي إلى فقدان الشرعية الداخلية، ويقوض المكاسب التي تحققت على الصعيد الخارجي.
وبذلك يبقى مستقبل سوريا مرهوناً بقدرة القيادة الحالية على إقناع السوريين بأن الدولة الجديدة تمثلهم جميعاً، لا أن تكون حكراً على فئة محددة، إذ إن البديل قد يكون دولة تحظى باعتراف دولي لكنها تعاني من انقسامات داخلية وصراعات متكررة.
اقرأ أيضاً:تقرير أممي: 5 محاولات اغتيال فاشلة استهدفت أحمد الشرع؟
اقرأ أيضاً:صحف ألمانية: الشرع في برلين بين استقبال رسمي وعاصفة انتقادات حقوقية