مذكرتا تفاهم بين دمشق والقاهرة: ماذا تعنيان لقطاع الطاقة في سوريا؟
وقّعت وزارة الطاقة السورية مذكرتي تفاهم مع وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية، في خطوة تهدف إلى تعزيز التعاون الثنائي في قطاع الطاقة، ولا سيما في مجالي الغاز الطبيعي والمشتقات النفطية، ضمن إطار أوسع لتفعيل التعاون العربي المشترك.
ووفق ما أعلنت عنه وزارة الطاقة السورية في 5 كانون الثاني/يناير الحالي، تركز مذكرة التفاهم الأولى على التعاون في توريد الغاز الطبيعي، بما يسهم في دعم إنتاج الطاقة الكهربائية في سوريا، من خلال الاستفادة من الإمكانات الفنية والبنى التحتية المتوفرة لدى الجانبين.
أما المذكرة الثانية، فتهدف إلى التعاون في مجال المشتقات النفطية لتلبية احتياجات قطاع الطاقة السوري، في ظل التحديات التي يواجهها هذا القطاع منذ سنوات.
كما شمل اللقاء الذي رافق توقيع المذكرتين بحث مجالات التعاون الفني وتبادل الخبرات في قطاعات النفط والغاز، خاصة في ما يتعلق بإعادة تأهيل البنية التحتية الطاقوية وتطويرها، بما ينعكس على رفع كفاءة المنظومة الطاقية ودعم خطط التعافي وإعادة الإعمار.
وعلى هامش التوقيع، عقد معاون وزير الطاقة لشؤون النفط، غياث فوزي دياب، لقاءات مع رئيس الشركة القابضة للغازات الطبيعية في مصر، محمود عبد الحميد، ورئيس الهيئة المصرية العامة للبترول، صلاح الدين عبد الكريم، جرى خلالها بحث آفاق التعاون في مجالات استكشاف الغاز الطبيعي وإنتاجه ونقله وتوزيعه.
استقرار الإمدادات وأمن الطاقة
تأتي هذه الخطوة في ظل ظروف اقتصادية وأمنية معقدة تشهدها المنطقة، بحسب الأستاذ في قسم إدارة الأعمال بكلية الاقتصاد في جامعة دمشق، الدكتور زكوان قريط، الذي اعتبر أن مذكرتي التفاهم قد تفتحان آفاقًا جديدة للتعاون الإقليمي في قطاع الطاقة، مع احتمال امتداد آثارها إلى دول مجاورة مثل لبنان والأردن.
وأوضح قريط، في حديث إلى عنب بلدي، أن التعاون الإقليمي في مجال الطاقة يمكن أن يسهم في تحقيق قدر أكبر من استقرار الإمدادات، وتعزيز أمن الطاقة في سوريا، عبر تقليل الاعتماد على مصادر بعيدة أو غير مستقرة سياسيًا.
وأشار إلى أن هذه التفاهمات تمثل خطوة استراتيجية لتعزيز استقرار سوق الطاقة في المنطقة وتوثيق الروابط الاقتصادية بين دمشق والقاهرة، معربًا عن أمله بأن تنعكس إيجابًا على الوضع الاقتصادي السوري، وأن تؤسس لشراكات طويلة الأمد مع دول الجوار.
وبحسب قريط، فإن الاعتماد على إمدادات الغاز الطبيعي من مصادر قريبة جغرافيًا، مثل مصر، من شأنه خفض تكاليف التشغيل ورفع كفاءة إنتاج الطاقة، إضافة إلى توفير خيارات إضافية لتعزيز الاحتياطي الاستراتيجي ومواجهة تداعيات العقوبات أو الأزمات الاقتصادية.
ولفت إلى أن القرب الجغرافي لمصر يمنحها ميزة تنافسية مقارنة بمصادر أبعد مثل أذربيجان، حيث تؤدي المسافات الطويلة والبنى التحتية المعقدة إلى زيادة تكاليف النقل والتأثير على انتظام الإمدادات، رغم أهمية أذربيجان كمنتج رئيسي للغاز.
آفاق تعاون أوسع
يرى قريط أن نجاح هذه التفاهمات قد يشكل مدخلًا لتوسيع التعاون ليشمل مجالات أخرى، مثل النفط والطاقة المتجددة، إضافة إلى تنفيذ مشاريع بنية تحتية مشتركة، كربط شبكات الكهرباء وتحقيق إنتاج مشترك.
كما تمثل الاتفاقيات فرصة لتعزيز التعاون الفني والاستثماري، إذ يمكن للشركات المصرية أن تسهم في تطوير البنية التحتية لقطاع الطاقة في سوريا، فضلًا عن إمكانية تنفيذ مشاريع مشتركة تشمل إنشاء خطوط أنابيب أو تطوير محطات توليد كهربائي، بما يعزز فرص الاستثمار الإقليمي.
خطط لزيادة إنتاج الغاز
تأتي هذه التفاهمات في وقت تسعى فيه الحكومة السورية إلى إعادة تنشيط قطاع الطاقة، في ظل تراجع الإمدادات وضغوط اقتصادية متزايدة. وتضع الحكومة الغاز الطبيعي في صدارة أولوياتها، باعتباره أحد المصادر الأساسية لتوليد الكهرباء ودعم النشاط الصناعي.
وفي هذا السياق، أعلن وزير الطاقة السوري، محمد البشير، في 14 كانون الأول/ديسمبر 2025، أن سوريا تتوقع رفع إنتاجها من الغاز الطبيعي إلى نحو 15 مليون متر مكعب يوميًا بحلول نهاية عام 2026، مقارنة بنحو سبعة ملايين متر مكعب يوميًا حاليًا.
من جهته، أوضح مدير الاتصال المؤسساتي في الشركة السورية للبترول (SPC)، صفوان شيخ أحمد، في تصريحات سابقة لـعنب بلدي، أن الإنتاج الحالي يبلغ نحو 7.6 مليون متر مكعب يوميًا، إضافة إلى ثلاثة ملايين متر مكعب أخرى لتغطية كامل الاحتياج اليومي.
ويعتبر الباحث الاقتصادي محمد السلوم أن هذه الأرقام تعكس رهانًا اقتصاديًا مهمًا على تقليص فجوة الطاقة التي تثقل كاهل قطاع الكهرباء والصناعة والمالية العامة. وأشار إلى أن قطاع الغاز يعاني من آثار الحرب والعقوبات، التي طالت الحقول في وسط سوريا، وشبكات النقل، ومحطات المعالجة، ما أدى إلى تراجع الإنتاج والاعتماد على بدائل أعلى تكلفة وأقل كفاءة.
وبحسب السلوم، لم يعد هذا الخلل تقنيًا فقط، بل تحول إلى عامل ضغط مباشر على سعر الصرف، ومستويات التضخم، ومعيشة الأسر.
وأوضح أن الزيادة المستهدفة في الإنتاج لا تعتمد أساسًا على اكتشافات جديدة، بل على إعادة تأهيل الحقول القائمة، وفي مقدمتها حقل “أبو رباح”، إلى جانب تحسين كفاءة الشبكات. وفي هذا الإطار، طُرحت مذكرات تفاهم مع شركات خارجية، من بينها شركة “دانا غاز” الإماراتية، لا تزال في مرحلة التقييم الفني والدراسة دون استثمارات إنتاجية مؤكدة حتى الآن.
تراجع كبير منذ 2011
بدوره، قدّم الخبير الاقتصادي الدكتور علي محمد قراءة رقمية لواقع إنتاج الغاز، موضحًا أن سوريا كانت تنتج في عام 2011 نحو تسعة مليارات متر مكعب سنويًا، أي ما يعادل 24 إلى 25 مليون متر مكعب يوميًا.
في المقابل، لا يتجاوز الإنتاج الحالي سبعة ملايين متر مكعب يوميًا، أي نحو 2.5 مليار متر مكعب سنويًا، ما يعني انخفاضًا يتراوح بين 72 و75% مقارنة بمستويات ما قبل عام 2011.
وأشار إلى أن هذا الإنتاج لا يكفي لتغطية الاحتياجات المحلية، ما دفع الحكومة للاعتماد على الاستيراد، والتوجه نحو توقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات مع شركات إقليمية ودولية بهدف تحسين واقع قطاع النفط والغاز ورفع مستويات الإنتاج.
وبحسب تقديرات حكومية، يمكن تحقيق زيادة في إنتاج الغاز تصل إلى نحو 50% بنهاية العام الحالي، خاصة مع وجود اتفاقيات أخرى قيد البحث أو التوقيع مع شركات عالمية.
كما لفت الخبير إلى التعاقد مع أربع شركات سعودية متخصصة في مجالات الحفر والإنتاج وتطوير آبار النفط والغاز، من بينها “أديس القابضة” المعنية بتطوير إنتاج النفط، و”الحفر العربية” المختصة بأعمال الاستكشاف وحفر الآبار، إضافة إلى شركتين أخريين تعملان على تطوير الحقول ورفع الإنتاج.
وخلص علي محمد إلى أن الهدف الأساسي من هذه الاتفاقيات يتمثل في زيادة إنتاج النفط والغاز محليًا، مع توقعات بإمكانية رفع إنتاج الغاز بمقدار أربعة إلى خمسة ملايين متر مكعب يوميًا مع بدء عمل هذه الشركات، في ظل تنوع خبراتها وتكامل أدوارها.
اقرأ أيضاً:سورية والسعودية تتفقان على إنشاء محطتي كهرباء بالطاقة المتجددة