رغم رفع عقوبات «قيصر»… السياسات النقدية تعمّق الأزمة المعيشية في سوريا

على الرغم من رفع العقوبات الأميركية المفروضة بموجب قانون قيصر، لا تزال الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في سوريا تشهد مزيدًا من التدهور، وسط شح السيولة النقدية، وارتفاع الأسعار، وتراجع حاد في القدرة الشرائية.

ورغم التوقعات بأن ينعكس تخفيف القيود الخارجية على تحريك عجلة الاقتصاد، تشير مؤشرات السوق إلى أن السياسات النقدية والمالية الداخلية باتت عاملًا رئيسيًا في تعميق الاختناقات الاقتصادية، ما يضغط مباشرة على الاستهلاك ويُضعف الثقة في السوق المحلية.

اقتصاديون: السياسات المحلية تفوق تأثير العقوبات:

يرى اقتصاديون أن السياسات النقدية والمالية المعتمدة في سوريا خلال السنوات الأخيرة أصبحت تشكّل عامل ضغط داخلي لا يقل تأثيره، وربما يفوق في بعض جوانبه، أثر العقوبات الخارجية، وعلى رأسها قانون قيصر.

ويؤكد الخبير الاقتصادي عامر شهدا أن هذه السياسات أفرغت عمليًا أي مكاسب محتملة كان يُفترض أن تنتج عن تخفيف العقوبات أو السعي لرفعها، وحوّلت الآمال التي رافقت تلك الجهود إلى حالة إحباط عام لدى شرائح واسعة من المجتمع.

آمال رفع «قيصر» تصطدم بالواقع النقدي:

وبحسب شهدا، في منشور على منصة فيسبوك، فإن الخطاب الذي رافق مساعي إلغاء قانون قيصر، سواء داخل الجاليات السورية في الولايات المتحدة أو بين داعمين في الكونغرس الأميركي، انطلق من فرضية أن إزالة القيود الخارجية ستسمح بـ:

1- استعادة تدريجية للنشاط الاقتصادي

2- تحسن ملموس في الظروف المعيشية

3- تخفيف الضغط عن السوق المحلية

غير أن الواقع، كما يصفه، أظهر أن السياسات النقدية والمالية الداخلية أعادت إنتاج ضغوط معيشية مماثلة، بل أكثر حدّة، من خلال أدوات مختلفة.

شح السيولة والتضخم يضربان القدرة الشرائية:

ويُعد شح السيولة النقدية، وتقييد حركة الأموال، ورفع كلفة الخدمات الأساسية، من أبرز العوامل التي عمّقت الأزمة.

وتشير بيانات مصرف سوريا المركزي وتقارير اقتصادية محلية إلى:

1- تراجع ملحوظ في الكتلة النقدية المتداولة خلال فترات متقطعة

2- استمرار ارتفاع معدلات التضخم

3- تقدير تضخم سنوي تجاوز 100% في بعض السنوات الأخيرة

4- بقاء الأجور الاسمية شبه ثابتة

وأدّى هذا الخلل إلى انخفاض حاد في الأجور الحقيقية، ما انعكس مباشرة على مستويات الاستهلاك ومعيشة الأسر السورية.

«قيصر» ليس السبب الوحيد في الأزمة:

يشدد شهدا على أن قانون قيصر، رغم تأثيره الكبير على التجارة الخارجية والتحويلات والقطاع المصرفي، لم يكن السبب المباشر في:

1- تأخير أو وقف دفع الرواتب

2- الانخفاض الحاد في السيولة داخل الأسواق

3- زيادات الأسعار المحلية على نطاق واسع

كما يشير إلى أن القانون لم يفرض سياسات تسعير أدت إلى ارتفاعات حادة في أسعار السلع والخدمات الأساسية، ولم يكن مسؤولًا عن الزيادات الكبيرة في الرسوم والضرائب المحلية، التي ارتفعت – وفق تقديرات خبراء – إلى عدة أضعاف.

رفع أسعار الخدمات يفاقم الضغوط المعيشية:

وفي هذا السياق، يلفت شهدا إلى أن رفع أسعار الكهرباء والمياه والخدمات العامة، بالتوازي مع شح السيولة، أسهم في تعميق الضغوط المعيشية، ولا سيما على:

1- أصحاب الدخل المحدود

2- المتقاعدين

3- العاملين بأجور ثابتة

وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن كلفة سلة المعيشة الأساسية باتت تتجاوز متوسط الرواتب الشهرية بأكثر من خمسة أضعاف،  ما يضطر الأسر إلى تقليص استهلاكها من الغذاء والدواء معًا.

تعطيل التحويلات نتيجة خيارات داخلية:

ويضيف شهدا أن تعطيل أنظمة التحويل والتسوية بين المصارف، وما نتج عنه من تأخير في تحويل الرواتب والكتل النقدية، يُعد نتيجة مباشرة لـ خيارات تنظيمية داخلية أكثر منه انعكاسًا مباشرًا للعقوبات.

فبينما قيّد قانون قيصر حركة المصارف السورية خارجيًا، حدّت القيود الداخلية من قدرتها على أداء دورها التقليدي في تمويل النشاط الاقتصادي، ما أدى إلى تراجع الثقة بالقطاع المصرفي والسياسة النقدية.

تقارير دولية: ضعف السياسات عائق أمام التعافي:

وتعزز تقارير صادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي هذا التوصيف، حيث تشير إلى أن:

1- ضعف السياسات الاقتصادية الكلية

2- غياب الاستقرار النقدي

3- هشاشة البيئة الاستثمارية

تمثل أبرز العوائق أمام أي تعافٍ اقتصادي مستدام في سوريا، حتى في حال تخفيف العقوبات.

وأكدت هذه التقارير أن استعادة الثقة تتطلب:

1- بيئة نقدية أكثر شفافية

2- حماية المدخرات

3- تحفيز الإنتاج بدل الاعتماد على الجباية والرسوم

4- كلفة التشديد النقدي تقع على المجتمع

ويرى شهدا أن السلطات لجأت إلى سياسات تشديد نقدي في ظل:

1- عجز مالي مزمن

2- تراجع الاحتياطيات

3- صعوبة الوصول إلى التمويل الخارجي

إلا أن كلفة هذه الخيارات وقعت بشكل غير متوازن على المجتمع، إذ لم تُحقق استقرارًا نقديًا مستدامًا، بل:

1- وسّعت الفجوة بين الدخل والأسعار

2- أضعفت الثقة بالعملة الوطنية

إصلاح داخلي شرط التعافي الحقيقي:

يخلص شهدا إلى أن أي مسار جدي للتعافي الاقتصادي في سوريا لا يمكن أن ينجح من دون:

1- مراجعة شاملة للسياسات النقدية والمالية

2- تخفيف القيود على السيولة

3- دعم الإنتاج المحلي

4- حماية القدرة الشرائية

ويؤكد أن تخفيف العقوبات وحده لا يكفي ما لم يترافق مع إصلاحات داخلية تعالج جذور الاختلال النقدي، وتعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، باعتبارها شرطًا أساسيًا لأي تعافٍ اقتصادي حقيقي ومستدام.

إقرأ أيضاً: صدمة في الشارع السوري بعد أول فواتير كهرباء عقب رفع الأسعار 800%

إقرأ أيضاً: اقتصاد سوريا ما بعد قيصر: متى يلمس المواطن أثر الانفراج المالي؟

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.