قرارات بلدية مثيرة للجدل تطرح تساؤلات حول المرجعية القانونية وحدود الصلاحيات

أثارت قرارات صادرة عن مسؤولين محليين في عدد من المناطق السورية نقاشًا واسعًا حول طبيعة العلاقة بين السلطة المحلية والمجتمع، وحدود تدخل البلديات في الحياة العامة والخاصة. وتتمحور هذه القرارات حول تنظيم أنشطة اجتماعية وترفيهية بدوافع وُصفت بأنها “أخلاقية” أو “قيمية”، ما فتح بابًا للتساؤل حول الإطار القانوني الذي تستند إليه.

ويرى متابعون أن هذه الإجراءات لا تندرج ضمن سياسة وطنية موحدة أو تشريعات واضحة، بل تصدر بصيغ محلية متفرقة، تختلف من منطقة إلى أخرى، ما يخلق حالة من التباين في التطبيق ويضع المواطنين أمام قواعد متغيرة بحسب الجهة الإدارية.

قرارات محلية متباينة

برزت هذه الإشكالية بشكل واضح مع قرار صادر عن رئاسة بلدية وادي بردى، تضمّن تقييد بعض الأنشطة داخل مطاعم ومنشآت سياحية تحت عنوان “منع الإخلال بالآداب العامة”. واعتبر منتقدون أن القرار تجاوز تنظيم الفضاء العام إلى التدخل في أنشطة خاصة، مثل الحفلات العائلية والفعاليات السياحية.

وسُجلت إجراءات مشابهة في مناطق أخرى، من بينها النبك واللاذقية، شملت ضوابط تتعلق بالموسيقى والأنشطة الترفيهية، إضافة إلى قرارات صادرة عن مجالس بلدية أخرى، مثل مجلس مدينة التل، تناولت طبيعة السلع المعروضة في بعض المحال التجارية، بما فيها الملابس.

ويشير مراقبون إلى أن الإشكالية الأساسية لا تتعلق فقط بمضمون هذه القرارات، بل بآلية صدورها عن رؤساء بلديات أو محافظين، من دون إحالة واضحة إلى قوانين وطنية نافذة أو تنسيق معلن مع وزارة الإدارة المحلية، ما يثير تساؤلات حول وحدة المرجعية القانونية.

غياب مرجعية موحدة

يطرح هذا الواقع، وفق مختصين في الشأن الإداري، إشكالية ازدواجية المعايير، حيث تُطبَّق قيود صارمة في منطقة، بينما لا تُفرض في أخرى، الأمر الذي يعكس ضعفًا في توحيد السياسات المحلية، ويجعل المواطن خاضعًا لاجتهادات فردية بدل نصوص قانونية واضحة.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذا النهج قد يكرّس حالة من التفكك الإداري غير المعلن، ويضعف مفهوم الدولة كمرجعية قانونية واحدة تنظم الحياة العامة وتكفل الحقوق.

تداعيات اقتصادية

لا تقتصر آثار هذه القرارات على الجدل القانوني والاجتماعي، بل تمتد إلى الجانب الاقتصادي، ولا سيما في القطاعين السياحي والخدمي. فالمطاعم والمنشآت السياحية وصالات المناسبات تشكل مصدر دخل لآلاف الأسر، وأي قيود غير واضحة أو متغيرة قد تؤثر سلبًا على ثقة المستثمرين وأصحاب الأعمال، وتدفع بعضهم إلى تقليص نشاطهم أو إغلاقه.

ويرى اقتصاديون أن غياب الاستقرار التشريعي والإداري ينعكس مباشرة على مناخ الاستثمار، ويعقّد جهود التعافي الاقتصادي، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى سياسات واضحة ومستقرة.

بين التنظيم والوصاية

يشير قانونيون إلى أن تنظيم الفضاء العام ومنع المخالفات في الأماكن المفتوحة مبدأ معمول به في مختلف الدول، إلا أن الخلاف يكمن في الانتقال من التنظيم القانوني إلى فرض معايير أخلاقية عامة عبر قرارات إدارية محلية، وهو ما قد يفتح الباب لتفسيرات متباينة وتجاوز للصلاحيات.

ويؤكد هؤلاء أن دور الدولة والبلديات يتركز في إدارة شؤون الناس وتقديم الخدمات، ضمن إطار قانوني واضح، لا في مراقبة أنماط حياتهم الخاصة أو إعادة تشكيلها بقرارات إدارية.

دعوات لتوحيد المرجعية

في ضوء هذه التطورات، تتصاعد الدعوات إلى مراجعة هذه القرارات، وتوحيد المرجعية القانونية التي تنظم عمل البلديات، بما يضمن احترام الحريات الشخصية، وحماية الفضاء العام، وتحقيق التوازن بين النظام العام وحقوق المواطنين.

ويرى مراقبون أن معالجة هذه الإشكاليات تتطلب توضيح الصلاحيات، وإخضاع القرارات المحلية لإطار قانوني وطني موحد، بما يحفظ الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ويعزز الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.