كهرباء سوريا مطلع 2026: تقدير استهلاك بلا عدّادات يثير جدلاً اقتصادياً واجتماعياً

مع دخول عام 2026، وجد قطاع الكهرباء في سوريا نفسه مجدداً في قلب نقاش واسع، بعد قرار صادر عن وزارة الكهرباء يقضي بتعديل آلية احتساب استهلاك المشتركين الجدد والعائدين إلى منازلهم، عبر اعتماد فاتورة تقديرية ثابتة في ظل نقص العدّادات الكهربائية.

القرار، الذي برّرته الوزارة بعدم توفر العدّادات الأحادية، خفّض سقف الاستهلاك التقديري من 800 إلى 400 كيلو واط ساعي للدورة الواحدة، لكنه في الوقت نفسه فرض على فئات واسعة من المواطنين التزاماً مالياً ثابتاً، بغض النظر عن حجم الاستهلاك الفعلي أو حتى وجود استهلاك من الأساس.

آلية تقدير جديدة وتكلفة ثابتة

وفق الهيكلية السعرية المعتمدة، يُحتسب الاستهلاك التقديري البالغ 400 كيلو واط على شريحتين:

  • 300 كيلو واط بسعر 600 ليرة سورية للكيلو واط

  • 100 كيلو واط بسعر 1400 ليرة سورية

وبذلك، تبلغ قيمة الفاتورة التقديرية للدورة الواحدة نحو 320 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل قرابة 29 دولاراً، تُفرض على المشترك حتى في حال كان المنزل غير مأهول أو لم يُسجَّل فيه أي استهلاك فعلي.

وتقول وزارة الكهرباء إن هذا الإجراء يهدف إلى توحيد آلية العمل بين شركات الكهرباء في المحافظات، وضبط الهدر في الشبكة، ريثما يتم تجاوز النقص الحاصل في العدّادات منذ مطلع تشرين الثاني الماضي. إلا أن تطبيق القرار فتح باباً واسعاً للانتقاد، خصوصاً مع غياب جدول زمني واضح لتأمين العدّادات أو معالجة الخلل الفني.

قراءة اقتصادية: التقدير يتحول إلى عبء

في هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عمار يوسف أن اعتماد فاتورة تقديرية ثابتة يمثل تحميل المواطن كلفة عجز المؤسسة عن توفير العدّادات. ويصف يوسف هذا الإجراء بأنه “عدالة شكلية في الظلم”، مشيراً إلى أن التقدير الجزافي لا يراعي اختلاف أنماط الاستهلاك بين منزل مأهول وآخر فارغ، أو بين أسرة تعتمد كلياً على الشبكة العامة وأخرى تمتلك منظومة طاقة بديلة.

ويضيف أن فرض 400 كيلو واط كاستهلاك افتراضي لا يستند إلى معيار واقعي، خاصة في ظل التقنين الطويل، لافتاً إلى أن قيمة الفاتورة الحالية تفوق قدرة شريحة واسعة من المواطنين، مقارنة بفواتير الكهرباء التي كانت تُحتسب قبل سنوات بأسعار رمزية.

الدعم المعلن والجدل حول جدواه

تروج الوزارة لسقف الـ 400 كيلو واط باعتباره استهلاكاً “مدعوماً”، إلا أن خبراء يشككون في هذا الطرح. فمن الناحية التقنية، يشير مختصون إلى أن الحد الأدنى للاستهلاك المنزلي لتغطية الاحتياجات الأساسية يتجاوز هذا الرقم، حتى في ظروف التقنين، ما يضع مفهوم “الدعم” موضع تساؤل.

ويربط بعض الاقتصاديين هذه السياسة بتوجهات أوسع لإعادة هيكلة قطاع الكهرباء، وتهيئة بيئة استثمارية مستقبلية عبر رفع الأسعار تدريجياً، بحيث تصبح مجدية اقتصادياً للقطاعين العام والخاص. ويرى هؤلاء أن العبء الأكبر في هذه المرحلة يقع على عاتق المستهلك النهائي، في ظل دخول محدوديات الدخل وتراجع القدرة الشرائية.

تفاعل شعبي وانتقادات متصاعدة

على المستوى الشعبي، انعكس القرار سريعاً على النقاشات في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث عبّر مواطنون عن استيائهم من دفع فواتير تقديرية لا تعكس واقع ساعات التغذية الفعلية. وتكررت تساؤلات حول عدالة تحميل المشتركين كلفة نقص العدّادات، إضافة إلى مقارنة قيمة الفاتورة مع متوسط الرواتب، خاصة بعد الزيادات الأخيرة التي اعتبرها البعض غير كافية لتغطية النفقات الأساسية.

كما أشار آخرون إلى مفارقة مفادها أن من يسعى لتسوية وضعه القانوني والالتزام بالدفع يجد نفسه أمام فاتورة ثابتة مرتفعة، في حين تبقى ظاهرة الاستجرار غير المشروع للكهرباء تحدياً قائماً، ما يطرح إشكالية تتعلق بعدالة التطبيق وفعالية الرقابة.

إشكالات تنظيمية أوسع

يتجاوز الجدل الحالي الجانب المالي، ليشمل أسئلة تنظيمية تتعلق بإدارة القطاع. فالقرار لا يميز بين أوضاع مختلفة للمشتركين، ولا يقدم حلولاً مرحلية واضحة لتأمين العدّادات أو ربط الفوترة بالاستهلاك الفعلي. وبدلاً من معالجة النقص الفني، اختارت المؤسسة، بحسب منتقدين، حلاً سريعاً يؤمن إيرادات ثابتة على حساب دقة القياس.

في ظل هذه المعطيات، يبقى ملف الكهرباء أحد أكثر الملفات حساسية في المشهد الخدمي السوري، حيث تتقاطع اعتبارات التمويل والاستثمار مع واقع معيشي ضاغط. وبينما تؤكد الجهات الرسمية أن الإجراءات الحالية مؤقتة وضرورية، يرى كثيرون أن نجاح أي إصلاح مستقبلي سيبقى مرهوناً بربط الكلفة بالخدمة الفعلية، وضمان قدر أكبر من العدالة والشفافية في إدارة هذا القطاع الحيوي.

اقرأ أيضاً:سورية والسعودية تتفقان على إنشاء محطتي كهرباء بالطاقة المتجددة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.