انقسامات داخل «هيئة تحرير الشام» تختبر سلطة الشرع: تحديات أمنية وخيارات صعبة أمام المرحلة الانتقالية
داما بوست -خاص
تشير معطيات متقاطعة إلى أنّ هيئة تحرير الشام تمرّ بمرحلة انقسام داخلي غير مسبوقة، مع تبلور جناحين رئيسيين داخلها: الأول مؤيد للرئيس الانتقالي أحمد الشرع وخياراته السياسية والعسكرية الجديدة، والثاني معارض لتوجهاته، لا سيما ما يتعلق بالانخراط في التعاون مع “التحالف الدولي” لمحاربة تنظيم داعش، وقبول تفكيك ملف المقاتلين الأجانب وإبعادهم عن مراكز القرار، وهي شروط وضعتها واشنطن لرفع عقوبات قانون قيصر.
حادثة القصر الجمهوري… مؤشر على صراع داخلي؟
وفي هذا السياق، أثارت حادثة إطلاق النار قرب القصر الجمهوري قبل أيام جدلاً واسعاً، بعد تصريحات أدلى بها صالح الحموي، أحد مؤسسي جبهة النصرة، والمعروف بلقب «أسّ الصراع في الشام».
الحموي قال إن الحادثة أسفرت عن إصابة الشرعي العام لهيئة تحرير الشام، عبد الرحيم عطون، بجروح خطيرة، إضافة إلى إصابة أحمد الشرع بشظية طفيفة في الصدر، مؤكداً أنه جرى إسعاف الشرع إلى مكان آمن تحت حماية فريق بريطاني كان موجوداً في القصر.
واتهم الحموي تياراً داخلياً في الهيئة، وصفه بأنه يمثل الامتداد الفكري القديم لجبهة النصرة، بالوقوف خلف الهجوم، معتبراً أن هذا التيار يرى في سياسات الشرع «خروجاً عن مفهوم الجهاد»، لا سيما بعد العمليات المشتركة مع “التحالف الدولي”، والتي شملت – وفق قوله – استهداف مطلوبين وجماعات جهادية أخرى، وليس تنظيم داعش وحده.
وبحسب الحموي، فإن هذا التيار «سوري المنشأ، غير مرتبط بداعش»، لكنه متغلغل في مفاصل السلطة والأجهزة الأمنية، ووصل إلى حرس القصر، ما مكّنه – وفق الرواية – من تنفيذ الهجوم.
حادثة تدمر تزيد الشكوك:
وقبل هذه الحادثة، شهدت مدينة تدمر واقعة أمنية خطيرة تمثلت في مقتل جنود أمريكيين خلال اجتماع مع قوات الأمن العام، نفّذها عنصر اتُّهم لاحقاً بالانتماء إلى تنظيم داعش وحمل أفكار متطرفة.
وقوع الحادثتين خلال أقل من عشرين يوماً عزّز المخاوف من اختراقات أمنية عميقة داخل مؤسسات السلطة الانتقالية.
تحديات متعددة أمام الشرع:
تأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه السلطة الانتقالية حزمة أزمات متراكمة، أبرزها:
1- تعثر ملف اندماج قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
2- استمرار خروج السويداء عن السيطرة الكاملة للحكومة الانتقالية.
3- تصاعد مطالب العلويين باللامركزية السياسية.
4- انقسامات داخلية في القوى العسكرية التي تشكّل العمود الفقري للسلطة.
هل الأزمة بنيوية أم مرحلية؟
يرى خبراء عسكريون أن ما يجري «يتجاوز كونه حملة إعلامية أو حوادث أمنية معزولة»، ويعكس أزمة بنيوية في عملية التحول من تنظيم عسكري عقائدي إلى سلطة دولة.
ويقول خبير عسكري مختص بشؤون الجماعات المسلحة لشبكة “داما بوست” إن: «هيئة تحرير الشام لم تُنجز بعد التحول الكامل من عقلية التنظيم إلى عقلية المؤسسة، وهذا يفسّر بقاء تيارات رافضة لأي تسوية دولية أو إعادة هيكلة، خصوصاً تلك التي تمسّ المقاتلين الأجانب أو الخطاب الجهادي التقليدي».
ويضيف خبير آخر أن: «التعاون مع التحالف الدولي يضع الشرع في مواجهة مباشرة مع جزء من قاعدته الصلبة، وهو ثمن سياسي وأمني كبير، لكن تجاهله كان سيعني بقاء السلطة معزولة دولياً».
خيارات الشرع: إعادة الهيكلة أم توسيع التحالفات؟
بحسب محللين، يقف أحمد الشرع أمام خيارين استراتيجيين:
1- تكليف الجنرال مناف طلاس بلعب دور محوري في إعادة هيكلة وزارة الدفاع، مستفيداً من شبكة علاقاته ودعمه من أطياف سورية متعددة، وقدرته – كما صرّح سابقاً – على تشكيل جيش وطني جامع.
2- الاستعانة بضباط من الجيش السوري السابق، لما يمتلكونه من خبرة قتالية وتنظيمية في مواجهة تنظيم داعش والتنظيمات المتطرفة التي أفرزتها سنوات الحرب.
ويؤكد محلل عسكري أن: «أي تأخير في بناء مؤسسة عسكرية وطنية منضبطة سيُبقي الشرع رهينة التوازنات الداخلية الهشّة، ويجعل أي اختراق أمني قادراً على قلب المشهد».
مفترق طرق حاسم:
في المحصلة، تبدو السلطة الانتقالية أمام اختبار حقيقي: إما المضي في تفكيك البنى المتشددة وإعادة بناء الدولة بدعم دولي وإقليمي، أو الانزلاق إلى صراع داخلي طويل مع تيارات رافضة للتغيير، قد يهدد استقرارها وشرعيتها.
إقرأ أيضاً: صالح الحموي يكشف تفاصيل جديدة عن تفجير واشتباك داخل القصر الجمهوري بدمشق
إقرأ أيضاً: مناف طلاس يلتقي المخابرات التركية: هل يكون الحل الوسط للأزمة السورية؟