اللامركزية الإدارية في سوريا: تطبيق متباين وتساؤلات قانونية
أثار قرار صادر عن محافظ حماة يقضي بمنع إقامة أي أنشطة عامة من دون الحصول على موافقة مسبقة، نقاشاً واسعاً حول طبيعة تطبيق اللامركزية الإدارية في سوريا، وحدود الصلاحيات الممنوحة للسلطات المحلية، ومدى انسجام هذه القرارات مع الإعلان الدستوري والقوانين النافذة.
ويعيد هذا القرار تسليط الضوء على إشكالية أوسع تتعلق بتفاوت الممارسات الإدارية بين المحافظات، وغياب إطار موحد يحدد مفهوم اللامركزية وآليات تطبيقها، ما أدى إلى بروز قرارات متباينة في الشكل والمضمون، تختلف من محافظة إلى أخرى.
اللامركزية بين الجدل العام والتطبيق العملي
في الخطاب العام، غالباً ما يُقابل الحديث عن اللامركزية بحساسية عالية، إذ يُنظر إليها في بعض الأوساط بوصفها مدخلاً للتقسيم أو إضعاف الدولة، وهو ما ينعكس في حملات انتقاد حادة تطال كل من يطرح المفهوم للنقاش. هذا المناخ حدّ، في كثير من الأحيان، من إمكانية تناول اللامركزية بوصفها نموذجاً إدارياً معمولاً به في دول عديدة، يهدف إلى توزيع الصلاحيات وتحسين كفاءة الإدارة المحلية.
في المقابل، وعلى مستوى الممارسة العملية، تشير قرارات صادرة عن عدد من المحافظات إلى اعتماد أنماط مختلفة من الإدارة المحلية، توحي بوجود صلاحيات واسعة تُمارس دون معايير موحدة أو رقابة مؤسسية واضحة، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة هذه اللامركزية وحدودها القانونية.
حماة: تنظيم الأنشطة العامة
في محافظة حماة، صدر تعميم يشترط الحصول على موافقة مسبقة من مكتب مختص حديث الإنشاء لإقامة أي نشاط عام. ويشمل القرار طيفاً واسعاً من الأنشطة، مثل الفعاليات الثقافية والتعليمية والخيرية والتجمعات العامة.
ويرى متابعون أن غياب معايير واضحة للحصول على هذه الموافقات، وعدم تحديد الجهة المختصة بالنظر في الاعتراضات، يفتح الباب أمام تطبيق انتقائي للقرار. كما يثير القرار تساؤلات حول مدى انسجامه مع باب الحقوق والحريات الوارد في الإعلان الدستوري، الذي يجيز تقييد بعض الحقوق ضمن ضوابط محددة تتعلق بالأمن والسلامة والنظام العام، على أن يكون ذلك ضمن إطار قانوني وتحت رقابة قضائية.
حمص: قيود محددة على الأنشطة السياسية
في محافظة حمص، تُطبق قيود على بعض الأنشطة، ولا سيما ذات الطابع السياسي أو المرتبطة بالفضاء العام، مثل الاحتجاجات أو الفعاليات الجماهيرية. إلا أن هذه القيود، بحسب ناشطين محليين، أكثر تحديداً من تلك المفروضة في حماة، وتُدار عبر أمانة مختصة بالشؤون السياسية.
ويشير هذا التباين إلى اختلاف في تفسير الصلاحيات بين المحافظات، سواء من حيث نطاق القيود أو الجهة الإدارية المشرفة عليها.
اللاذقية: قرارات تمس الحياة الشخصية
في اللاذقية، صدر تعميم يمنع الموظفات في المؤسسات العامة من وضع المكياج خلال الدوام الرسمي. وقد أثار القرار انتقادات واسعة باعتباره تدخلاً في الحريات الشخصية، ومخالفاً لمبدأ المساواة وحقوق الفرد المنصوص عليها في الإعلان الدستوري.
ورغم الجدل الذي رافق القرار، لم يصدر إعلان رسمي عن التراجع عنه، ما عزز النقاش حول حدود تدخل السلطات المحلية في الشؤون الشخصية، ومدى مشروعية مثل هذه القرارات.
دير الزور: إشكاليات الصلاحيات
في دير الزور، صدر قرار بتعيين رئيس لمجلس المدينة عن جهة محلية مكلفة بتسيير الوحدات الإدارية، في خطوة أثارت تساؤلات قانونية، نظراً لأن تعيين رؤساء المجالس المحلية يتم، وفق القوانين النافذة، بمرسوم رئاسي أو بقرار من وزير الإدارة المحلية بناءً على تفويض قانوني.
واعتبر متابعون أن هذه الخطوة تعكس خللاً في توزيع الصلاحيات، وتداخل الأدوار بين المستويات الإدارية المختلفة.
لامركزية انتقائية؟
تُظهر هذه الأمثلة، وغيرها، نمطاً من الإدارة المحلية يتسم بتعدد الاجتهادات وتفاوتها بين المحافظات، في ظل غياب تشريعات واضحة تنظم اللامركزية وتحدد بدقة صلاحيات السلطات المحلية وحدودها.
ويرى مختصون أن اللامركزية، في جوهرها، تهدف إلى تمكين المجتمعات المحلية من إدارة شؤونها، وتعزيز المشاركة، وتحسين كفاءة الخدمات، ضمن إطار قانوني يضمن وحدة الدولة وحماية الحقوق والحريات. إلا أن ما يجري حالياً، وفق هذا الرأي، هو نقل مركز القرار من السلطة المركزية إلى المحافظ، من دون آليات رقابة أو مساءلة كافية، ما قد يؤدي إلى تركّز السلطة بدلاً من توزيعها.
غياب الرقابة المؤسسية
يتزامن هذا الواقع مع غياب سلطة تشريعية مكتملة الصلاحيات، وتأخر تشكيل البرلمان، ما يحدّ من أدوات الرقابة والمساءلة على عمل السلطة التنفيذية، سواء على المستوى المركزي أو المحلي.
وفي ظل هذا الفراغ، تبقى الحاجة قائمة إلى إطار قانوني واضح ينظم اللامركزية الإدارية في سوريا، ويوازن بين تمكين الإدارات المحلية وضمان احترام الإعلان الدستوري والقوانين، بما يحفظ الحقوق العامة ويعزز الثقة بالإدارة العامة خلال المرحلة الانتقالية.