استثمارات سعودية بمليارات الدولارات في سوريا: وعود اقتصادية أم رهان سياسي؟
تتجه الأنظار مطلع الأسبوع المقبل إلى العاصمة السورية دمشق، ترقّبًا لإعلان رسمي وصفه مراقبون بـالتاريخي، بعد كشف رئيس هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي أن المملكة العربية السعودية تعتزم ضخ استثمارات بمليارات الدولارات في قطاعات استراتيجية داخل سوريا، من بينها تأسيس شركة طيران سورية خاصة جديدة.
وجاءت تصريحات الهلالي، التي نقلتها وكالة رويترز، على هامش مشاركته في القمة العالمية للحكومات في دبي، حيث اعتبر أن هذه الخطوة تمثل أكبر تحول اقتصادي تشهده سوريا منذ قرار الولايات المتحدة رفع جزء من العقوبات في كانون الأول/ديسمبر الماضي.
انفتاح اقتصادي متسارع بعد تخفيف العقوبات:
يرى مراقبون أن الإعلان المرتقب يعكس تسارعًا لافتًا في وتيرة الانفتاح الاقتصادي، ويؤشر إلى تطور ملموس في العلاقات السعودية – السورية بعد سنوات من القطيعة.
وكانت العقوبات الدولية قد شكلت العائق الأكبر أمام تعافي الاقتصاد السوري، الذي أنهكته حرب استمرت 14 عامًا، تسببت في دمار واسع ونزوح ملايين السكان، وانهيار معظم القطاعات الإنتاجية والخدمية.
تفاؤل رسمي يقابله تشكك اقتصادي:
رغم التفاؤل الحكومي، يواجه هذا المسار تشكيكًا واسعًا في الأوساط الاقتصادية، حول قدرة الواقع السوري المنهك على تحويل التعهدات الاستثمارية إلى مشاريع قابلة للتنفيذ ومستدامة.
ويؤكد الخبير الاقتصادي يونس الكريم أن العبرة ليست بحجم الأرقام المعلنة، بل بـقابلية التنفيذ ضمن بيئة اقتصادية وسياسية شديدة التعقيد.
بيئة استثمارية هشة وفقدان الطلب المحلي:
يرى الكريم، في تحليل نشره عبر منصة فيسبوك، أن انهيار القوة الشرائية يشكل العائق الأكبر أمام أي استثمار حقيقي، مشيرًا إلى أن الليرة السورية عند أدنى مستوياتها التاريخية، ما أدى إلى شلل شبه كامل في الدورة الاقتصادية.
ويضيف أن غياب الطلب المحلي الفعال يجعل من تحقيق عوائد ربحية حقيقية أمرًا بالغ الصعوبة، مهما بلغ حجم الاستثمارات المعلنة.
مخاطر أمنية وتشريعية تطرد رأس المال:
لا تتوقف التحديات عند الجانب النقدي، إذ يشدد الكريم على أن رأس المال يبحث أولًا عن الاستقرار الأمني والضمانات القانونية، وهي عناصر ما تزال غائبة في سوريا، في ظل:
1- تعدد مناطق النفوذ
2- ضعف الإطار التشريعي
3- غياب الحوكمة الرشيدة
4- تضارب القرارات الإدارية
ويؤكد أن المستثمر لا يحتاج فقط إلى إذن بالدخول، بل إلى منظومة قانونية تحمي حقوقه وتنظم الأرباح والتخارج، وهي شروط لم تكتمل بعد.
ضبابية العقوبات والعزلة الدولية:
يشير الكريم أيضًا إلى أن عدم وضوح مستقبل العقوبات الدولية يخلق حالة من التردد لدى الشركات الكبرى، ويزيد من مخاطر الدخول إلى السوق السورية.
كما أن استمرار العزلة الدولية الجزئية لسوريا يجعل أي استثمار ضخم عرضة لضغوط قانونية أو سياسية خارجية، في ظل غياب توافق دولي واضح حول إعادة الإعمار.
استثمارات سعودية: اقتصاد أم سياسة؟
وفق هذا التحليل، يرى الكريم أن الدوافع خلف الإعلانات الاستثمارية سياسية بامتياز، حيث تسعى الرياض إلى:
1- تعزيز حضورها في الملف السوري
2- استخدام الاقتصاد كأداة نفوذ ناعم
3- موازنة أدوار إيران وروسيا
4- تثبيت موقعها كلاعب إقليمي مؤثر
ويرجّح أن يقتصر التنفيذ الفعلي في المدى القريب على مكاتب تمثيلية أو بروتوكولات تعاون، تخدم الزخم السياسي والإعلامي أكثر من كونها مشاريع إنتاجية كاملة.
حراك اقتصادي مقابل التحفظات:
في المقابل، يشهد المشهد حراكًا فعليًا عبر مجلس الأعمال السعودي السوري، حيث أعلن رئيسه التنفيذي عبد الله ماندو عن اهتمام شركات كبرى مثل: أكوا باور وشركة الاتصالات السعودية (STC) بالدخول إلى السوق السورية، خصوصًا في قطاعات الطاقة والاتصالات والبنية التحتية والقطاع المالي.
وكانت الرياض قد أعلنت العام الماضي عن استثمارات بقيمة 6.4 مليار دولار ضمن 47 اتفاقية مع أكثر من 100 شركة سعودية.
بين نية الاستثمار وضخ السيولة:
تبقى هذه الطموحات مرهونة بقدرة دمشق على:
1- تفكيك البيروقراطية
2- تقديم ضمانات تشريعية
3- تحسين بيئة الأعمال
4- بناء ثقة حقيقية مع المستثمرين
فالمسافة بين نية الاستثمار وضخ السيولة الفعلية لا تزال محفوفة بالعقبات التقنية والسياسية.
اختبار حاسم للاقتصاد السوري:
ختامًا، تمثل الاستثمارات السعودية الموعودة فرصة إنقاذ محتملة للاقتصاد السوري، لكنها لن تتحول إلى واقع ملموس دون إصلاحات عميقة تخلق بيئة استثمارية مستقرة ونظيفة، وتعيد تحريك القوة الشرائية للمواطن.
وفي ظل المعطيات الحالية، يبدو أن المشهد سيبقى معلقًا بين الرغبة السياسية السعودية والعجز الاقتصادي البنيوي السوري، ما يجعل الإعلان المرتقب اختبارًا حقيقيًا لمدى جدية هذه الوعود وقدرتها على الصمود أمام واقع اقتصادي شديد التعقيد.
إقرأ أيضاً: تقرير: السعودية تدخل قطاع النفط والغاز السوري ضمن استراتيجية غربية لإعادة تشكيل النفوذ