الوطنية بين الانتماء والمساءلة: قراءة في الخطاب السياسي السائد
في العديد من التجارب السياسية، لم تعد الوطنية مفهوماً جامعاً يعبر عن الانتماء الحر إلى الوطن، بقدر ما تحولت إلى أداة تُستخدم للفرز والإقصاء.وبدلاً من أن تشير إلى الالتزام بالمصلحة العامة، وبحسب مقال لموقع سناك سوريا باتت في الخطاب العام معياراً لقياس القرب أو البعد عن السلطة، أكثر من كونها قيمة مشتركة بين المواطنين.
من حيث المبدأ، تقوم الوطنية على الارتباط بالأرض والناس والتاريخ المشترك. غير أنها تفقد معناها حين تُفرغ من بعدها الأخلاقي، ويُعاد تعريفها بما يخدم احتياجات السلطة السياسية. في هذه الحالة، تتحول الوطنية إلى مفهوم مرن، يتبدل بتبدل موازين القوة، ولا يعود إطاراً جامعاً للمجتمع.
في السياق السياسي للمنطقة، غالباً ما جرى توظيف الخطاب الوطني بوصفه غطاءً لتبرير سياسات القمع أو الإخفاقات العامة. فباسم “الظروف الاستثنائية” أو “المعركة الوطنية”، عُلّقت حقوق، وأُغلقت مساحات المساءلة، وجرى تقييد العمل السياسي لفترات طويلة، بحجة مواجهة أخطار داخلية أو خارجية.
هذا الاستخدام السياسي للوطنية أسهم في إنتاج أنماط من الولاء غير المشروط، حيث يُطلب من الأفراد الامتثال أكثر من المشاركة، والدعم أكثر من النقاش. ومع مرور الوقت، برزت نخب سياسية وثقافية لعبت دوراً في إعادة إنتاج هذا الخطاب، وتقديمه بوصفه حقيقة أخلاقية غير قابلة للنقد.
الوطنية والطاعة في الفكر السياسي
تناولت عدة دراسات فلسفية هذا التحول في مفهوم الانتماء. فقد حذّر فريدريك نيتشه من المجتمعات التي تخضع لما وصفه بـ«أخلاق القطيع»، حيث تتراجع القدرة على التفكير النقدي، وتتحول الطاعة إلى قيمة بحد ذاتها، بينما يُنظر إلى السؤال والاعتراض باعتبارهما خروجاً عن الإجماع.
وفي السياق ذاته، ميّز الكاتب البريطاني جورج أورويل بين الوطنية بوصفها ارتباطاً بالأرض والناس، والقومية التي تقوم على ولاء غير نقدي لسلطة سياسية، يُطلب من أتباعها الدفاع عن قراراتها بغض النظر عن نتائجها. هذا التمييز يوضح كيف يمكن للمفاهيم ذاتها أن تُستخدم بطرق متباينة، تبعاً للسياق السياسي.
كما أشارت الفيلسوفة حنّة آرنت، في دراساتها حول الأنظمة الشمولية، إلى أن أخطر أشكال الاستبداد لا تعتمد فقط على القمع المباشر، بل على تعطيل التفكير الفردي، وتحويل الامتثال إلى ممارسة يومية مبررة باسم الواجب أو الانتماء.
من جهته، تناول أنطونيو غرامشي مفهوم “الهيمنة الثقافية”، موضحاً أن السلطة لا تحكم بالقوة وحدها، بل عبر السيطرة على الوعي العام، وتقديم قيمها الخاصة بوصفها قيماً وطنية عامة. في مثل هذا السياق، قد يدافع الأفراد عن منظومة تقيّدهم، انطلاقاً من قناعة بأنها تمثل مصلحة الوطن.
ويضاف إلى ذلك ما طرحه إدوارد سعيد حول دور الخطاب في إنتاج السلطة، حيث تُسهم اللغة في رسم حدود المسموح والممنوع، وحين يُحتكر تعريف الوطنية، قد يتحول الاختلاف إلى اتهام، والنقد إلى تهديد.
بين الوطنية والمواطنة
تؤدي هذه المسارات مجتمعة إلى تحويل الوطن من مساحة مشتركة قائمة على الحقوق والواجبات، إلى رمز مجرد يُستخدم في الخطاب السياسي. وكلما جرى التركيز على الوطنية بوصفها فكرة مقدسة منفصلة عن الإنسان، تراجعت قيمة الفرد بوصفه غاية أساسية لأي مشروع سياسي.
في هذا الإطار، تُظهر تجارب سورية وإقليمية أن الوطنية التي تنفصل عن مفهوم المواطنة لا تؤسس لبناء دولة مستقرة، بل تنتج أنماطاً من الحكم تقوم على الولاء بدل الحقوق، وعلى التعبئة بدل المشاركة، ما يفتح الباب أمام دورات متكررة من التوتر والانهيار.
إن بناء الدولة، وفق هذا المنظور، لا يبدأ من مطالبة المواطنين بتضحيات دائمة، بل من ضمان حقوقهم الأساسية. ولا يتحقق عبر الخطاب التعبوي، بل من خلال المساءلة والمشاركة في صنع القرار. فحب الوطن لا يُقاس بالصمت تجاه السلطة، بل بالقدرة على نقدها، ومحاسبتها، والمساهمة في تشكيل سياساتها ضمن إطار قانوني ومؤسساتي جامع.