قرية المقرز في القنيطرة: معاناة خدمية وقلق متصاعد من الانتهاكات الإسرائيلية

على مقربة من خطّ التماس مع مرتفعات الجولان المحتلة، تواجه قرية المقرز في الريف الجنوبي لمحافظة القنيطرة واقعًا معيشيًا صعبًا، يتقاطع فيه غياب الخدمات الأساسية مع تصاعد المخاوف الأمنية، في ظل شكاوى الأهالي من الإهمال الرسمي والانتهاكات الإسرائيلية المتكررة.

تقع القرية شرق سدّ الرقاد والوادي، وغرب قرية صيدا الجولان، ويقدّر عدد سكانها بنحو 800 نسمة، يغلب عليهم الطابع العشائري. ويعيش بينهم عدد محدود من اللاجئين الفلسطينيين، يمثلهم بشكل أساسي أفراد من عائلة القديري، العائدة أصولها إلى بلدة كفر مصر في قضاء بيسان، ويُقدّر عددهم بنحو 25 شخصًا، وهو رقم آخذ في التراجع بفعل الهجرة نحو لبنان أو نحو تجمعات فلسطينية أكبر داخل محافظة القنيطرة.

تعليم محدود وبقاء صعب

يقول سكان من القرية إن الموقع الحدودي وغياب مقومات الاستقرار جعلا الاستمرار في العيش خيارًا شاقًا، ولا سيما بالنسبة للعائلات الفلسطينية التي تفتقر إلى شبكات دعم فعالة. فالقرية لا تضم سوى مدرسة ابتدائية، ما يضطر طلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية إلى التوجه يوميًا إلى قرية صيدا الجولان عبر طرق وعرة.

ويصف اللاجئ الفلسطيني محمد القديري الرحلة اليومية لأبنائه إلى المدرسة بأنها محفوفة بالمخاطر، مشيرًا إلى غياب وسائل النقل المنتظمة، واضطرار الطلاب في كثير من الأحيان إلى السير على الأقدام أو انتظار مركبات عابرة أو دراجات نارية لا تستوعب سوى شخصين، فيما تصبح الطرق شبه مقطوعة خلال فصل الشتاء.

وقد دفعت هذه الظروف عددًا من العائلات إلى إخراج أبنائها من المدارس، في ظل الفقر وارتفاع تكاليف النقل. ويؤكد المدرّس المتقاعد أحمد السلمان، من سكان المنطقة، أن التسرب المدرسي بات ظاهرة مقلقة في القرى الحدودية، لافتًا إلى أن الفلسطينيين من أكثر المتضررين بسبب أوضاعهم الاقتصادية والقانونية الهشة. ويرى أن إعادة تأهيل المدرسة الإعدادية المغلقة منذ سنوات بسبب الحرب تمثل خطوة ضرورية للتخفيف من معاناة الأسر وتشجيعها على استكمال تعليم أبنائها.

اقتصاد هش ومصادر رزق مهددة

يعتمد معظم سكان المقرز على الزراعة وتربية المواشي، وتشتهر القرية بزراعة البامية واللوبيا. ويشير خالد الفاران، وهو من أبناء القرية، إلى أن تربية الأغنام تشكل مصدر الدخل الرئيسي للعديد من العائلات، إلا أن ارتفاع أسعار الأعلاف وغياب الدعم جعلا هذا النشاط مهددًا.

أما اللاجئون الفلسطينيون، فيعمل بعضهم في أعمال موسمية، كالبناء أو بيع الحطب خلال فصل الشتاء. ويقول محمود القديري إن بيع الحطب بات وسيلته الأساسية لتأمين لقمة العيش، في ظل توقف المساعدات التي كانت تقدمها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) منذ سنوات، من دون توفير بدائل.

غياب الرعاية الصحية وتلوث المياه

في القطاع الصحي، تفتقر القرية إلى أي مركز طبي أو طبيب مقيم، ما يضطر المرضى إلى التوجه إلى صيدا الجولان أو إلى مشفى نوى الذي يبعد نحو 45 كيلومترًا. ويؤكد الطبيب سامر العلي، العامل في الريف الجنوبي للقنيطرة، أن غياب الخدمات الصحية الأساسية يزيد من المخاطر، خصوصًا على الأطفال وكبار السن، في ظل انتشار أمراض مرتبطة بتلوث المياه.

ويشتكي الأهالي من تلوث المياه الجوفية نتيجة عدم وجود شبكة صرف صحي، وما يرافق ذلك من مشكلات صحية متكررة.

مخاوف أمنية وانتهاكات متكررة

إلى جانب التحديات المعيشية، يعبر سكان المقرز عن قلق متزايد جراء تصاعد تحركات جيش الاحتلال الإسرائيلي في القرى القريبة من خط وقف إطلاق النار. ويقول أبو محمد، أحد سكان القرية، إن دوريات الاحتلال باتت تدخل المقرز بشكل متكرر، وتنّفذ عمليات تفتيش ومداهمة للمنازل.

ويضيف أبو خالد، من أبناء القرية، أن الجنود يطلبون من الأهالي إبراز دفاتر العائلة، كما جرى استدعاء مختار القرية أكثر من مرة لجمع معلومات عن السكان. وبحسب قوله، لم تقتصر الإجراءات على ذلك، بل شملت إحصاءً فعليًا للأهالي، والسؤال عن هويات الزائرين، بالتزامن مع تحليق مكثف للطائرات المسيّرة فوق القرية ومحيطها.

ويرى أبو خالد أن هذه الممارسات تضع السكان في حالة ترقب دائم، وسط مخاوف من تحولها إلى واقع مفروض بالقوة، يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة عاشتها المنطقة خلال العقود الماضية.

عزلة وغياب اهتمام دولي

من جانبه، يشير الناشط المجتمعي فؤاد الحسن إلى أن القرى الحدودية غالبًا ما تُترك خارج نطاق الاهتمام الخدمي، رغم الأعباء التي يتحملها سكانها. ويعبر الفلسطينيون في المقرز عن شعور متزايد بالعزلة، مؤكدين أن أي منظمة دولية، بما فيها “أونروا”، لم تزر القرية خلال السنوات الماضية.

ويقول أبو خالد القديري إن الفلسطينيين يضطرون للتوجه إلى درعا أو خان أرنبة للحصول على المساعدات، ما يعرضهم لمخاطر الطرق وبعد المسافات.

بين الصمود وانتظار الالتفات

ورغم صعوبة الظروف، يواصل سكان المقرز، سوريين وفلسطينيين، التمسك بالبقاء في قريتهم الحدودية، حاملين ذاكرتهم وهويتهم، على أمل أن يصل صوتهم إلى الجهات المعنية، وأن يحظوا بحد أدنى من الخدمات والاهتمام، يضمن لهم حياة أكثر استقرارًا ومستقبلًا أقل قسوة.

اقرأ أيضاً:مفاوضات باريس: اتفاق أمني مرتقب بين سوريا وإسرائيل اليوم

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.