ديون الحرب أم التزامات الدولة؟ جدل حول ديون إيران وروسيا على سوريا
عاد ملف الديون المترتبة على الدولة السورية لصالح كل من إيران وروسيا إلى صدارة النقاشين الاقتصادي والسياسي، باعتباره أحد أكثر الملفات تعقيدًا في مرحلة ما بعد الصراع، لما يحمله من أبعاد تتجاوز الحسابات المالية إلى أسئلة تتعلق بالسيادة والمسؤولية القانونية ومستقبل التعافي الاقتصادي.
ويأتي هذا الجدل بعد تصريحات أدلى بها وزير المالية السوري محمد يسر برنية، كشف فيها أن الحكومة تعمل على إعداد مطالبات مالية مضادة بحق إيران وروسيا، قد تفوق، بحسب قوله، قيمة المطالبات المعلنة على سوريا، واصفًا هذه الديون بأنها “ديون بغيضة”، في إشارة إلى طبيعتها والظروف التي نشأت فيها.
بين الأرقام والسياق السياسي
تعكس تصريحات وزير المالية، وفق متابعين، حجم التعقيد الذي يحيط بملف التسويات المالية، حيث لا تزال الأرقام المتداولة بشأن حجم الديون وطبيعتها ومآلاتها موضع تباين، سواء على المستوى الرسمي أو في النقاشات الاقتصادية العامة. هذا التباين يضع الملف في منطقة رمادية بين ما يُطرح كمطالبات دولية، وما يُناقش محليًا حول شرعية هذه الالتزامات وأسس التعامل معها.
وفي هذا الإطار، يرى الخبير والباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر أن مقاربة الديون المترتبة على سوريا تجاه إيران وروسيا لا يمكن أن تقتصر على بعدها الرقمي أو المالي، محذرًا من اختزال القضية في أرقام الدين أو آليات السداد، في حين أن جوهر الإشكال، بحسب رأيه، يكمن في طبيعتها القانونية والسياسية والتاريخية.
وأوضح عمر، في منشور له، أن النقاش الحقيقي يدور حول توصيف هذه الالتزامات: هل هي ديون سيادية مترتبة على الدولة السورية بصفتها ممثلة للمجتمع، أم أنها التزامات نشأت في سياق حرب شاملة، وارتبطت ببقاء نظام سياسي محدد، دون أن تخدم مصالح المجتمع السوري أو متطلبات التنمية؟
اقتصاد الحرب والالتباس المفاهيمي
وأشار عمر إلى أن الخلط بين ديون الدول في الظروف الطبيعية، وديون الأنظمة خلال النزاعات المسلحة، يمثل إشكالية مفاهيمية، لافتًا إلى أن هذه الالتزامات لم تنشأ ضمن سياسات اقتصادية عامة، ولم تُوظف في مشاريع إنتاجية أو تنموية ذات أثر ملموس على المجتمع.
وبحسب تحليله، فإن جزءًا كبيرًا من هذه التمويلات جاء في إطار ما يُعرف بـ”اقتصاد الحرب”، حيث تلجأ الأنظمة المحاصرة إلى مصادر تمويل خارجية لتأمين استمرارها السياسي والعسكري، بدل توجيه الموارد إلى بناء المؤسسات أو تحسين مستويات المعيشة.
ويستند عمر في طرحه إلى تجارب دولية مقارنة، شهدت مراجعات شاملة للديون التي تراكمت خلال فترات نزاع، حيث جرى تقييم طبيعة الإنفاق والجهة المستفيدة منه. وتُظهر هذه التجارب، وفق قوله، أن الالتزامات التي لا تحقق منفعة عامة ولا تترك أثرًا تنمويًا قابلًا للقياس، لا تُعامل بالضرورة كديون سيادية كاملة، بل تخضع لمساءلات قانونية وسياسية دقيقة.
الاستخدامات والجهة المستفيدة
في الحالة السورية، يرى عمر أن الوقائع تشير إلى أن الأموال المقدمة من إيران وروسيا لم تُوجَّه إلى إعادة إعمار البنية التحتية أو دعم القطاعات الإنتاجية أو تحسين الخدمات العامة، بل استُخدمت في تمويل العمليات العسكرية ودعم الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة للنظام السابق.
ويضيف أن هذا النمط من الإنفاق أسهم، بحسب قراءته، في إطالة أمد الصراع وما رافقه من دمار واسع طال البنية المجتمعية والعمرانية، معتبرًا أن المستفيد الأساسي من هذه القروض لم يكن المجتمع السوري، بل دائرة سلطوية ضيقة استخدمت الموارد لضمان استمرارها في الحكم.
الديون البغيضة: إطار قانوني محتمل
انطلاقًا من ذلك، يطرح عمر مقاربة قانونية تقوم على توصيف هذه الالتزامات باعتبارها ديونًا تعود إلى نظام سياسي سقط، لا ديونًا مترتبة على الدولة السورية بصفتها كيانًا يمثل المجتمع. ويستند هذا الطرح إلى مفهوم “الديون البغيضة”، وهو مفهوم حاضر في الفقه الاقتصادي والقانوني الدولي، ويشير إلى عدم إلزام الدول بسداد ديون لم تُستخدم لصالح شعوبها، ولا سيما إذا ارتبطت بانتهاكات جسيمة أو جرائم واسعة النطاق.
اقتصاديًا، يحذر عمر من أن تحميل المجتمع السوري أعباء مالية لم يستفد منها، ولم تُنتج قيمة مضافة، قد يشكل ضغطًا كبيرًا على الاستقرار المالي والاجتماعي، ويقوض فرص التعافي وإعادة الإعمار. أما سياسيًا، فيرى أن القبول بهذه الديون دون مراجعة نقدية قد يُفسَّر على أنه إضفاء شرعية متأخرة على سياسات النظام السابق.
خلاصة مفتوحة على التفاوض
ويخلص الباحث الاقتصادي إلى أن النقاش حول هذه الديون لا يعني رفضًا لمبادئ القانون الدولي، بل دعوة إلى تطبيقها ضمن سياقها التاريخي والسياسي. فالالتزامات التي نشأت في ظل الحرب، ومُوِّلت بها أدوات العنف بدل التنمية، لا يمكن، وفق هذا الطرح، التعامل معها كديون دولة طبيعية.
وبين الطروحات الرسمية والتحليلات الاقتصادية، يبقى ملف الديون السورية تجاه إيران وروسيا مفتوحًا على احتمالات قانونية وتفاوضية متعددة، تتقاطع فيها الاعتبارات المالية مع أسئلة أوسع حول العدالة، والسيادة، وحق المجتمع السوري في التعافي وإعادة البناء.
اقرأ أيضاً:دمشق بين روسيا وأميركا: رهانات التحالفات وتحديات الانفتاح الدولي