حوادث متتالية تعيد طرح ملف السلامة المهنية في أماكن العمل السورية

أعادت حوادث عمل وقعت خلال أيام قليلة في محافظات سورية مختلفة تسليط الضوء على واقع السلامة المهنية، في ظل تسجيل وفيات أثناء أداء مهام وظيفية داخل منشآت عامة وخدمية، ما يثير تساؤلات متجددة حول مستوى إجراءات الأمان، وقدرة المؤسسات على حماية العاملين فيها.

وفاة مهندس داخل مستشفى درعا

في مدينة درعا جنوبي سوريا، توفي المهندس عبد اللطيف الديري أثناء قيامه بأعمال صيانة في المستشفى الوطني، إثر سقوط مصعد قديم عليه. واستدعى الحادث تدخل فرق الدفاع المدني، التي عملت قرابة ثلاث ساعات لانتشال جثمانه.

وبحسب إفادة يوسف المصلح، أحد سكان المدينة، فإن الديري، وهو أب لثلاثة أطفال، كان يزاول مهامه الفنية المعتادة عندما انهار المصعد فوقه، ما أدى إلى وفاته في المكان.

ونقل موقع “درعا 24” عن مصدر داخل المستشفى أن المصاعد في المنشأة بحاجة ماسة إلى الاستبدال، مشيرًا إلى أن الصيانة الدورية لم تعد كافية في ظل تقادم البنية التحتية ونقص التجهيزات، وهي مشكلة لا تقتصر على هذا المستشفى، بل تشمل عددًا من المؤسسات الصحية والخدمية في البلاد.

حادث قاتل في محطة “تشرين” الحرارية

وفي حادثة منفصلة بريف دمشق، لقي علاء أحمد مطلق، وهو مساعد مهندس في محطة “تشرين” الحرارية، مصرعه أثناء تنفيذ أعمال صيانة دورية. ووفق ما أورده رأفت الكردي، أحد أقرباء الضحية، عبر منشور على “فيسبوك”، فإن التغذية الكهربائية عادت بشكل مفاجئ أثناء العمل، ما أدى إلى تشغيل التوربينات تلقائيًا، وإصابته إصابة بالغة أودت بحياته على الفور.

وحتى الآن، لم تصدر أي بيانات رسمية توضّح ملابسات الحادث أو نتائج التحقيقات المتعلقة بإجراءات السلامة المتبعة داخل المحطة.

حوادث متكررة ومشهد واحد

ولا تُعد هاتان الحادثتان استثناءً، إذ كانت السلطات السورية أعلنت الشهر الماضي مصرع ثلاثة عمال وإنقاذ اثنين آخرين، إثر انهيار مبنى سكني أثناء العمل فيه بمدينة حلب شمالي البلاد.

ورغم اختلاف مواقع هذه الحوادث وطبيعتها، إلا أن القاسم المشترك بينها يتمثل في ضعف إجراءات السلامة المهنية، وغياب أنظمة الحماية الفعالة، وعدم الالتزام الصارم ببروتوكولات العمل الآمن، لا سيما في المواقع التي تنطوي على مخاطر عالية.

خبراء: المشكلة بنيوية لا فردية

يرى المهندس يحيى صابوني أن هذه الحوادث لا يمكن اختزالها بأخطاء فردية أو اعتبارها مجرد حوادث عابرة، بل هي نتيجة تراكمية لغياب منظومة متكاملة للسلامة المهنية في سوريا. وأوضح أن العمل دون أنظمة فصل طاقة واضحة، أو دون فحوص دورية حقيقية للمعدات، إلى جانب نقص التدريب ووسائل الحماية الشخصية، يحوّل أماكن العمل إلى بيئات خطرة تهدد حياة العاملين بشكل يومي.

وأشار صابوني إلى ما وصفه بـ”التطبيع مع الخطر”، حيث يعتاد كثير من العمال على العمل في ظروف غير آمنة بسبب الحاجة المعيشية، مقابل ضعف الرقابة وغياب المساءلة، لافتًا إلى أن هذه الظاهرة تبدو أكثر وضوحًا في قطاع البناء، لكنها لا تقتصر عليه.

غياب الإحصاءات وخطوات حكومية

ولا تتوافر في سوريا إحصاءات رسمية دقيقة حول عدد ضحايا حوادث العمل، إلا أن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أعلنت الشهر الماضي إطلاق حملة توعوية تستهدف العمال وأصحاب العمل، بهدف تعزيز ثقافة الالتزام بمعايير الصحة والسلامة المهنية.

وقالت الوزارة إن الحملة تأتي في إطار الحفاظ على الأرواح وضمان بيئة عمل أكثر أمانًا واستقرارًا، مشيرة إلى أنها تعمل بالتوازي على مراجعة القوانين والتشريعات الناظمة، وتنفيذ برامج تدريبية متخصصة لمفتشي الصحة والسلامة المهنية.

وأضافت أن هذه الجهود تُنفذ بالتعاون مع منظمة العمل الدولية، والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، والاتحاد العام لنقابات العمال، إلى جانب أصحاب العمل وغرف الصناعة والتجارة والسياحة.

وفي ظل استمرار تسجيل حوادث عمل قاتلة، يبقى ملف السلامة المهنية حاضرًا بقوة، باعتباره أحد التحديات الأساسية التي تواجه سوق العمل السوري، وسط مطالبات بتطبيق أكثر صرامة للمعايير، وربطها برقابة فعلية تضمن حماية العاملين في مختلف القطاعات.

اقرأ أيضاً:ديون الحرب أم التزامات الدولة؟ جدل حول ديون إيران وروسيا على سوريا

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.