الرواتب في القطاع العام السوري: فجوات الأجور تختبر المرحلة الانتقالية
أفرزت التغييرات السياسية والإدارية التي أعقبت سقوط نظام الأسد واقعًا معقّدًا داخل القطاع العام السوري، كان من أبرز ملامحه التفاوت الواسع في الرواتب بين الموظفين الخاضعين لسلّم الأجور التقليدي، وآخرين جرى التعاقد معهم حديثًا، لا سيما القادمين من مناطق الشمال السوري، ضمن صيغ تعاقدية مختلفة وبعملات متعددة.
ويبلغ متوسط راتب الموظف الحكومي القديم ما بين 1.2 و1.5 مليون ليرة سورية شهريًا، أي ما يعادل أقل من 120 إلى 150 دولارًا، في حين تبدأ رواتب بعض المتعاقدين الجدد من نحو 300 دولار شهريًا، وقد تصل في حالات أخرى إلى 700 دولار، وهو ما يعادل ضعفي أو ثلاثة أضعاف رواتب موظفين يشغلون وظائف مماثلة من حيث المؤهل والمسؤولية.
هذا التباين لا يعبّر فقط عن اختلاف في طبيعة العقود، بل يكشف غياب سياسة موحدة للأجور في مرحلة انتقالية حساسة، تُدار فيها مؤسسات الدولة بمقاربات متداخلة تجمع بين إرث إداري قديم ومحاولات لاستقطاب كوادر جديدة برواتب أعلى.
سلّم رواتب مشوّه
يرى اقتصاديون أن تشوّه سلّم الرواتب بات من أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا على أداء القطاع العام، إذ إن اعتماد معايير مختلفة للأجور، واستخدام أكثر من عملة داخل المؤسسة الواحدة، وغياب الربط بين الأجر والكفاءة أو الإنتاجية، كلها عوامل تُضعف الحافز وتحدّ من فعالية المؤسسات.
الباحث والأستاذ الجامعي الدكتور صبري حسن يعتبر أن المشكلة ذات طابع هيكلي، ناتجة عن انفصال الأجور عن الإنتاجية، وتسطّح هرم الرواتب، وضغط الفروق بين الدرجات الوظيفية، ما يقلل فرص الترقّي ويضعف الحوافز المهنية. ويضيف أن التضخم الحاد، وتراجع قيمة الليرة، وسياسات الزيادات المتقطعة، إضافة إلى أعباء الحرب والعقوبات، ساهمت في تآكل القوة الشرائية وعمّقت الفجوة بين العاملين.
وظيفتان… وراتبان
داخل المؤسسات العامة، ينعكس هذا الخلل بشكل يومي. مهندس يعمل منذ أكثر من عشرين عامًا في وزارة الطاقة، يتقاضى راتبًا لا يتجاوز 1.3 مليون ليرة، يقول إن المشكلة لا تكمن في قدوم موظفين جدد، بل في أن يعمل موظفان في المكتب نفسه، بالمهام نفسها، ويُحاسبان بالمعايير ذاتها، بينما يتقاضى أحدهما أضعاف راتب الآخر.
ويشير إلى أن هذا الواقع يخلق احتقانًا داخليًا ويقوّض الشعور بالعدالة والانتماء، في ظل غياب تفسير رسمي واضح لأسباب هذا التفاوت.
الأثر الاقتصادي والمؤسسي
الخبير الاقتصادي الدكتور مجدي الجاموس يربط تشوّه الرواتب بغياب بيئة قانونية ناظمة، ما يفتح الباب أمام التمييز بين العاملين، ويؤدي إلى تراجع الإنتاجية، وانتشار الإحباط، وزيادة الميل إلى الفساد والبحث عن مصادر دخل بديلة.
كما أن اعتماد الدولار في دفع رواتب فئة من الموظفين مقابل دفع الليرة لفئة أخرى يعمّق ظاهرة “الدولرة”، ويضعف مكانة العملة الوطنية، ويؤثر نفسيًا ومهنيًا على العاملين، ويقضي على أي إمكانية عادلة لتقييم الأداء.
زيادات انتقائية
أعلنت الحكومة عن زيادات نوعية في رواتب قطاعات محددة كالقضاء والتعليم والصحة، إلا أن خبراء يرون أن هذه المقاربة، رغم أهميتها لبعض القطاعات، تخلق شرخًا إضافيًا بين الموظفين، طالما لم تُدرج ضمن سياسة شاملة تعالج أصل الخلل في هيكل الأجور.
أبعاد قانونية
قانونيًا، يثير هذا التفاوت تساؤلات حول مدى انسجامه مع قانون العاملين الأساسي رقم 50 لعام 2004، ومع مبادئ الإعلان الدستوري الصادر في آذار 2025، الذي ينص على المساواة وتكافؤ الفرص.
الدكتور في القانون الإداري محمد الحسين يرى أن معالجة الملف يجب أن تتم عبر تعديل تشريعي واضح أو إصدار نصوص خاصة، لا عبر اجتهادات إدارية. ويؤكد أن منح رواتب أعلى خارج الجداول القانونية، دون إطار تشريعي محكم، يشكل إخلالًا بمبدأ “الأجر المتساوي مقابل العمل المتساوي”، ويقوّض الثقة بالمؤسسات.
وجهة نظر المتعاقدين الجدد
في المقابل، يشير بعض الموظفين القادمين من مؤسسات الشمال السوري إلى أن الرواتب المرتفعة لم تكن خيارًا فرديًا، بل جزءًا من عقود التعيين، وأنهم يدركون حساسية الفجوة القائمة. ويؤكد أحدهم أن راتبه بالدولار لا يترافق مع حقوق وظيفية كالتأمينات الاجتماعية أو الترفيعات، معتبرًا أن الحل لا يكون بإلقاء اللوم على فئة دون أخرى، بل بإصدار قانون عادل ينظم الملف تدريجيًا.
أثر نفسي واجتماعي
من زاوية نفسية، تؤكد الاستشارية هبة كمال العرنوس أن غياب العدالة في الأجور يترك آثارًا عميقة على الصحة النفسية للعاملين، من تآكل التقدير الذاتي، إلى القلق والاكتئاب والاحتراق النفسي، وصولًا إلى تراجع الانتماء المؤسسي وتنامي السلوكيات السلبية داخل بيئات العمل.
نحو إصلاح تدريجي
يقترح خبراء اقتصاديون معالجة الخلل عبر خطة متدرجة تبدأ بإجراءات عاجلة، مثل تشكيل لجنة وطنية لإصلاح الأجور، وإجراء مسح شامل للرواتب، وتجميد التعاقدات الاستثنائية. يلي ذلك إصلاح هيكلي يقوم على تصميم سلّم رواتب موحد يعتمد معايير موضوعية، وربط الأجور بالإنتاجية والتضخم، مع ضمان انتقال عادل للموظفين الحاليين.
في المحصلة، لا تُعد أزمة الرواتب مسألة مالية فحسب، بل اختبارًا لقدرة الدولة في مرحلتها الانتقالية على ترسيخ العدالة وبناء الثقة داخل مؤسساتها، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لأي تعافٍ اقتصادي أو إداري مستدام.
اقرأ أيضاً:حاكم مصرف سوريا المركزي يوضح آلية الاستبدال النقدي والتسعير بالليرة السورية الجديدة