ركود الأسواق في دمشق يخنق التجار.. مبيعات متراجعة وتكاليف مرتفعة وحلول حكومية غائبة

تفتح المحال التجارية والأسواق في دمشق أبوابها كل صباح، لكن حركة البيع لا تكفي في كثير منها لتغطية كلفة بقائها مفتوحة. بضائع متراكمة على الرفوف، وزبائن يقلّصون مشترياتهم إلى الحد الأدنى، وتجار يحسبون نفقاتهم قبل التفكير في الأرباح. هكذا يتسع الركود في الأسواق الدمشقية، مدفوعاً بتآكل القدرة الشرائية وارتفاع الإيجارات والطاقة والرسوم، وسط غياب سياسات حكومية قادرة على إعادة تحريك الطلب أو تخفيف أعباء النشاط التجاري.

في الحريقة ومدحت باشا وأسواق أخرى، لا تبدو المشكلة مرتبطة بقطاع بعينه. فالتاجر المستأجر يواجه بدل إيجار ثابتاً مهما تراجعت مبيعاته، وصاحب المحل يتحمل تكاليف التشغيل والضرائب والصيانة، فيما يضطر بعض أصحاب المتاجر إلى تقليص العمالة والإنفاق اليومي لتجنب الخسارة. أما المستهلك، فقد انتقل من شراء احتياجاته بالكيلوغرام إلى طلبها بالغرامات والقطع، في مؤشر واضح على انكماش قدرته الشرائية.

مبيعات أقل وأسعار أعلى

يصف تجار وخبراء الحالة بأنها ركود تضخمي؛ إذ تتكدس البضائع في الأسواق رغم ارتفاع أسعارها، بينما تتراجع المبيعات إلى مستويات تضغط على استمرارية المنشآت. ويشرح أحد أصحاب المحال أن انخفاض مبيعاته إلى النصف دفعه إلى رفع هامش الربح على القطعة الواحدة من 20 ليرة إلى 50 أو 60 ليرة، لتعويض المصاريف الثابتة.

وتتكرر المعادلة في متاجر المواد الغذائية، حيث تضاف تكاليف المولدات والتبريد والرسوم إلى أسعار السلع، فيما يلجأ أصحاب المحال إلى الاستغناء عن العمال وتقليص النفقات. وهكذا يتحول ضعف الطلب إلى عامل إضافي لرفع الأسعار، فتزداد قدرة المستهلك تراجعاً، وتدخل الأسواق في حلقة يصعب كسرها من دون تدخل اقتصادي فعلي.

الحكومة خارج معادلة الإنقاذ

لا تقدم التصريحات الواردة في المادة مؤشرات على وجود إغلاقات جماعية، لكن ذلك لا ينفي تراجع النشاط التجاري أو الضغوط التي تدفع بعض المحال إلى تجميد أعمالها أو تغيير مواقعها. كما أن استمرار المحال في فتح أبوابها لا يعني أنها تحقق أرباحاً؛ فكثير من التجار يواصلون العمل لتجنب خسارة الموقع والزبائن، حتى عندما تتآكل عوائدهم.

ويكشف طرح الخبراء حجم الاختلالات التي تحتاج إلى معالجة، من ضعف النظام المصرفي وشح السيولة إلى ارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع الدخل. لكن الحكومة تبدو مطالبة أولاً بتقديم ما يتجاوز وصف الأزمة: إصلاح مصرفي، وتمويل ميسر للمشروعات الصغيرة، وسياسات ضريبية أكثر مرونة، وطاقة بأسعار تنافسية، ورقابة تمنع الاحتكار والإغراق.

مخاطر تركز السوق

يحذر خبراء من أن استمرار الركود قد يسرّع خروج المحال الصغيرة، ويمنح السلاسل التجارية الكبرى قدرة أكبر على السيطرة على السوق. ويزداد هذا الاحتمال خطورة عندما لا تتوافر معايير شفافة لتوزيع التمويل والإعفاءات والحماية التجارية، بما يفتح المجال أمام استفادة الجهات الأقوى نفوذاً على حساب المنشآت الأضعف.

أما مقترحات تنظيم ساعات العمل أو تشجيع شراء المنتج المحلي، فلا تكفي وحدها لمعالجة أزمة أساسها ضعف الطلب وارتفاع تكاليف الإنتاج والتشغيل. فالمشكلة لا تُحل بتغيير موعد فتح المحال، ولا بمطالبة المستهلك بدعم المنتج الوطني فيما دخله لا يكفي احتياجاته الأساسية.

الاختبار الحقيقي للسياسة الاقتصادية هو قدرتها على إعادة الدخل إلى دورة الاستهلاك، وتأمين شروط بقاء المشروعات الصغيرة، وإعلان نتائج قابلة للقياس عن التمويل والضرائب والمنافسة. ومن دون ذلك، ستظل الأسواق مفتوحة شكلياً، فيما تتقلص قدرتها على البيع والتوظيف والاستمرار، ويتحول الركود من أزمة عابرة إلى مسار يعيد تشكيل التجارة لمصلحة من يملكون قدرة أكبر على الصمود.

 

اقرأ أيضاً: أزمة الغلاء في طرطوس.. كيف يهدد التضخم لقمة عيش الأسر ويدفع بالأسواق نحو الركود؟

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.