جدل “تعميم اللاذقية”.. هل تحولت الخيارات الشخصية للنساء إلى ملف سياسي؟
أثار تعميم صادر عن محافظ اللاذقية يقضي بمنع الموظفات من وضع “المكياج” خلال ساعات الدوام الرسمي موجة عارمة من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبره كثيرون تدخلاً سافراً في الخيارات الفردية والمظهر الشخصي للنساء في المؤسسات الحكومية، وتعيد هذه الحادثة فتح النقاش حول حدود صلاحيات السلطات المحلية في المرحلة الانتقالية ومدى التزامها بمبادئ المساواة وعدم التمييز التي يُفترض أن تكون حجر الأساس في إعادة بناء الدولة السورية
ويرى مراقبون وناشطون أن خطورة هذا القرار لا تكمن فقط في محتواه التنظيمي، بل في كونه يعكس نمطاً أوسع من صناعة القرار التي تُغيب النساء وتستهدفهن بإجراءات تمس تفاصيل حياتهن دون إشراكهن في الصياغة أو مراعاة التبعات القانونية والاجتماعية لهذه التوجهات
صلاحيات تحت المجهر وتجاوزات دستورية
تؤكد المحامية سوفانا خليل في حديثها لموقع “تلفزيون سوريا” أن تعميم محافظ اللاذقية يفتقر إلى السند القانوني ويصدر عن جهة غير مختصة، مما يجعله مخالفاً للقانون وباطلاً بطلاناً مشروعاً يمكن الطعن فيه، وتشير خليل إلى أن هذا الإجراء ينتهك مبادئ الإعلان الدستوري للمرحلة الانتقالية، وينطوي على تمييز واضح قائم على الجنس يمس الكرامة الإنسانية والحرية الشخصية
وتضيف خليل أن الوثائق الدستورية المؤقتة، رغم تضمنها نصوصاً عامة حول المساواة، تفتقر إلى آليات تنفيذية ومعايير رقابة صارمة، مما يفتح الباب أمام السلطات التنفيذية لإصدار قرارات تتناقض مع روح العدالة دون وجود مسارات فعالة للمحاسبة أو الاعتراض المؤسسي
تغييب ممنهج عن مواقع صنع القرار
تصف الناشطة النسوية هيام حاج علي تمثيل النساء في مؤسسات المرحلة الانتقالية بـ “المخجل”، موضحة أن الجهود التي بُذلت طوال السنوات الماضية كانت تطمح لتمثيل لا يقل عن 30 في المئة كحد أدنى لضمان حضور فاعل في السياسات العامة، إلا أن الواقع العملي بعد سقوط النظام جاء مخيباً للآمال ولا يرقى لمستوى الالتزامات المعلنة
وترى حاج علي أن إقصاء النساء لا يضر بمصالحهن فحسب، بل يؤدي إلى إضعاف الحياة السياسية وتقويض شرعية المؤسسات، خاصة مع تحول تمثيل المرأة في مجلس الشعب إلى “استثناء” مرتبط بالإرادة السياسية والتعيينات الرئاسية بدلاً من كونه حقاً مصاناً بقواعد انتخابية ملزمة، وفي سياق متصل، اعتبر محمد طه الأحمد، رئيس لجنة الانتخابات، أن مشاركة النساء “محدودة” بسبب العادات المجتمعية، وهو توصيف يراه متابعون تبريراً لغياب سياسات الدعم الحقيقية مثل “الكوتا” وبرامج التمكين السياسي
أرقام صادمة وتراجع في التمثيل التشريعي
يكشف مركز “كرم شعار” للدراسات عن تراجع حاد في تمثيل النساء، حيث لم تتجاوز نسبتهن 4.9 في المئة من الأعضاء المنتخبين في البرلمان (6 نساء من أصل 122)، مقارنة بـ 11.2 في المئة في مجلس عام 2020، ويُعزى هذا التدهور إلى اختلالات إجرائية في العملية الانتخابية، حيث ضمت اللجنة العليا للانتخابات امرأتين فقط من أصل 11 عضواً، فضلاً عن سيطرة العقلية الذكورية على الهيئات الناخبة والمجتمعات المحلية
بيئات عمل طاردة وتعميق للفقر النسائي
لا تتوقف آثار هذه القرارات عند الجانب الإداري، بل تمتد لتخلق بيئات عمل طاردة للنساء، مما يدفعهن للانسحاب من سوق العمل المنظم واللجوء إلى الاقتصاد غير الرسمي الذي يفتقر للحماية القانونية، وفي ظل تزايد عدد النساء المعيلات لأسرهن نتيجة الحرب، تتحول هذه السياسات إلى أدوات لتعميق الهشاشة الاقتصادية بدلاً من أن تكون جزءاً من خطط التعافي
وتروي “دعاء”، وهي موظفة سابقة، تجربتها مع الضغوط النفسية التي دفعتها لترك عملها بعد انتهاء عقدها، مؤكدة أن التعامل مع المرأة كمجرد “قيد” وتجاهل احتياجاتها الإنسانية أصبح سمة بارزة، بينما اضطرت “سلمى” للعمل في ظروف قاسية بأجور غير مستقرة لتأمين لقمة العيش، محذرة من أن هذا الإقصاء يعيد إنتاج الفقر بشكل ممنهج، أما “ليلى” فقد اختارت العمل المستقل هرباً من النظرات والمضايقات التي تعرضت لها بسبب أسلوب لباسها الذي لم يرق للمحيط المؤسسي التقليدي
من القوانين إلى التعميمات.. حصار الاستقلالية
يبرز التعميم رقم 17 لعام 2025 الصادر عن وزارة العدل كوجه آخر للإقصاء القانوني، حيث يُنظر إليه كقيد إضافي يحد من استقلالية الأم في تسيير شؤون أطفالها أمام دوائر الدولة، وتعبر “هاجر” عن مخاوفها من أن القوانين بدلاً من أن تنصف النساء بعد سنوات التعب، أصبحت أكثر قسوة وتضع مصير المرأة تحت سلطة قد تستغل ضعفها وتصادر حقوقها وحقوق أطفالها
وتشير الدراسات والتقارير الحقوقية الحديثة إلى أن النساء في سوريا يواجهن اليوم “هشاشة متداخلة” تشمل التعليم والصحة النفسية والوصول إلى الوظائف، ويحذر الخبراء من أن تعميم محافظ اللاذقية وغيره من القرارات ليست حوادث معزولة، بل هي مؤشرات على منظومة لم تحسم بعد رؤيتها للمرأة كمواطنة كاملة الحقوق، مما يهدد بإعادة إنتاج الاختلالات القديمة في ثوب جديد خلال المرحلة الانتقالية.
اقرأ أيضاً:حصريا لـ DW: خطف وابتزاز ـ قصص مأساوية لنساء علويات في سوريا
اقرأ أيضاً:سوريا.. نساء في مهب النزوح: حكايات الصمود خلف الجدران الموصدة
حساباتنا: فيسبوك تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام