دراسة: العنف الرقمي ضد السوريات ظاهرة ممنهجة تُقصيهن عن المجال العام

كشفت دراسة حديثة صادرة عن أكاديمية “دي دبليو” الألمانية بعنوان “منصات أشد أماناً ومشاركة أقوى: خريطة العنف الجنساني عبر الإنترنت في سوريا”، أن العنف القائم على النوع الاجتماعي عبر الفضاء الرقمي في سوريا لم يعد مجرد حوادث متفرقة، بل بات ظاهرة “ممنهجة ومُطبَّعة” تؤثر بشكل مباشر على قدرة النساء على التعبير والعمل والمشاركة في الحياة العامة.

ووفقاً للدراسة، فإن هذا النمط من العنف تحوّل إلى أداة للضبط الاجتماعي، تصاعدت حدّتها مع تزايد حضور النساء في الفضاء العام، حيث أصبح الظهور بحد ذاته عاملاً محفوفاً بالمخاطر. وأوضحت أن المنصات الرقمية باتت امتداداً للمجالين الاجتماعي والسياسي، تُبنى فيها السمعة أو تُدمَّر، وتُعاد من خلالها إنتاج علاقات القوة القائمة، ما جعل النساء، خصوصاً الصحفيات والناشطات، في مرمى هذه الانتهاكات.

العنف الرقمي كآلية للضبط الاجتماعي

أظهرت الدراسة أن العنف الرقمي في سوريا يتجاوز كونه سلوكاً فردياً، ليشكّل جزءاً من منظومة أوسع تُستخدم لمعاقبة النساء على مشاركتهن في النقاش العام أو عملهن في مجالات مثل الإعلام والمجتمع المدني. وربطت بين تصاعد هذه الظاهرة والبنى الاجتماعية التي تعيد إنتاج عدم المساواة بين الجنسين داخل الفضاء الرقمي.

وبيّنت أن تأثير هذا العنف لم يقتصر على الأذى الفردي، بل طال البيئة العامة للنقاش، حيث دفع العديد من النساء إلى الرقابة الذاتية أو الانسحاب الكامل من الفضاء العام الرقمي، ما جعله أداة تحدد من يشارك ومن يتم إقصاؤه.

أنماط متداخلة من الانتهاكات

رصدت الدراسة طيفاً واسعاً من أشكال العنف الرقمي، شمل الابتزاز الجنسي والتحرش والتشهير ونشر المعلومات الشخصية والتهديد، إضافة إلى حملات منظمة تستهدف تقويض السمعة. وأكدت أن هذه الأشكال غالباً ما تتداخل وتتفاعل فيما بينها، ما يضاعف حجم الضرر الواقع على الضحايا.

وأشارت إلى أن هذه الهجمات تبدأ في كثير من الأحيان ضمن مساحات مغلقة أو شبه خاصة، حيث يسهل التنسيق بين الفاعلين، قبل أن تنتقل إلى منصات عامة يتم فيها تضخيمها عبر التفاعل الجماعي.

ولفتت إلى أن منصات مثل “فيسبوك” و”تلغرام” ساهمت في هذا التصعيد، سواء من خلال تسهيل التنسيق أو نشر المحتوى على نطاق واسع، ما حوّل العنف إلى “أداء اجتماعي” علني يزيد من أثره النفسي والاجتماعي.

النساء الأكثر عرضة للاستهداف

بيّنت الدراسة أن النساء اللواتي يتمتعن بحضور عام بارز، مثل الصحفيات والناشطات والعاملات في المجتمع المدني، هن الأكثر عرضة لهذه الهجمات، حيث يرتبط ارتفاع مستوى الظهور بزيادة احتمالات الاستهداف وشدته وتنظيمه.

كما أوضحت أن الجهات المنفذة تراوحت بين أفراد مجهولين وشبكات منسقة تسعى إلى إسكات النساء أو تقويض دورهن، في حين ساهم انتشار خطاب لوم الضحية في تحويل المسؤولية نحو النساء أنفسهن، ما عزّز مناخ الإفلات من العقاب وقيّد مشاركتهن في الفضاء العام.

تداعيات تتجاوز الأفراد إلى المجتمع

أكدت الدراسة أن آثار العنف الرقمي لا تقتصر على المستوى الفردي، بل تمتد إلى أبعاد نفسية واجتماعية ومهنية، حيث تعرّضت النساء المستهدفات للخوف والضغط النفسي وتضرر السمعة، ما انعكس سلباً على حياتهن الشخصية وفرصهن المهنية.

وأوضحت أن هذه التأثيرات الفردية تتراكم لتُحدث أثراً جماعياً، إذ يؤدي انسحاب النساء من النقاش العام إلى تضييق مساحة الحوار وإضعاف التعددية، ما يقوّض حرية التعبير والإعلام، خاصة مع استهداف العاملات في هذا المجال، ويحد من المشاركة المدنية ويؤثر على بنية النقاش العام.

فجوات في الاستجابة والحماية

أشارت الدراسة إلى محدودية الاستجابات القانونية والمؤسساتية للعنف الرقمي في سوريا، في ظل ثغرات واضحة في الأطر القانونية وضعف آليات التبليغ، إضافة إلى تردد العديد من النساء في الإبلاغ بسبب ضعف الثقة بالمؤسسات والخوف من الوصمة الاجتماعية.

وخلصت إلى أن هذه العوامل أسهمت في ترسيخ الإفلات من العقاب واستمرار الانتهاكات، داعية إلى إصلاحات قانونية تعزز المساءلة، وبناء قدرات مؤسساتية متخصصة للتعامل مع هذا النوع من الجرائم.

كما شددت على أهمية تطوير سياسات إعلامية أكثر حساسية للنوع الاجتماعي، وتقديم دعم يركز على احتياجات الناجيات، مؤكدة أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب استجابة شاملة تتكامل فيها الأبعاد القانونية والإعلامية والمجتمعية.

 

اقرأ أيضاً:دراسة ترصد تصاعد خطاب الكراهية والتحريض ضد النساء في المنصات الرقمية السورية

اقرأ أيضاً:تصاعد جرائم الخطف في سوريا: النساء العلويات الأكثر استهدافًا

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.