المدن: التحقيقات الدولية في سوريا لا توقف الانتهاكات
كان من المنطقي، بل والمتوقع، أن يؤدي سماح سلطة دمشق للجان التحقيق الدولية بالعمل في ملفات مجازر الساحل والسويداء إلى كبح الانتهاكات، ووقف عمليات خطف النساء والقتل على أساس طائفي، مع إحالة المتورطين إلى العدالة. غير أن الهجوم الذي استهدف مدينة السقيلبية في ريف حماة قبل أيام، أظهر أن هذه التوقعات لم تكن في محلها، وأن ما يبدو بديهياً للبعض لا يحظى بالقبول لدى رموز السلطة.
وبينما يُرجع مراقبون استمرار الانتهاكات إلى غياب المحاسبة والفلتان الأمني، يذهب تقرير لموقع المدن إلى أن هذه الممارسات تؤدي دوراً وظيفياً في تثبيت الحكم عبر القسر، لا عبر الإنجاز، وتعزز صورة السلطة بوصفها قوة لا تتسامح مع معارضيها.
استهداف المجتمع بالعنف
تطرح هذه الوقائع سؤالاً حول إمكانية أن تعزز أي سلطة جديدة حضورها داخل المجتمع بوسائل مختلفة عن القمع. نظرياً، يمكن تحقيق ذلك عبر بناء دولة مؤسسات، تبدأ بالإصلاح الإداري، وانتهاج سياسات اقتصادية واضحة، واعتماد دستور عصري يكرّس سيادة القانون، إلى جانب تحقيق العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد. كما يتطلب الأمر إطلاق مشاريع تنموية ترفع المستوى المعيشي، وتدفع البلاد نحو الحداثة، مع ضمان الحريات الفردية والجماعية.
لكن، عندما تعجز الأنظمة عن تبني هذه المسارات أو تنفيذها، وتلجأ إلى التفرد بالقرار وإقصاء الكفاءات، فإنها تدفع بالبلاد نحو مزيد من التدهور. في هذه الحالة، يصبح العنف أداة مباشرة لضبط المجتمع، حيث تُعتمد الانتهاكات كسياسة ممنهجة لترويع المواطنين وإخضاعهم بسرعة.
ضمن هذا السياق، تميل السلطة إلى إبراز قضايا هامشية، خصوصاً تلك المرتبطة بالتنوع الطائفي والإثني، وإدخالها في صدارة النقاش العام. ويُرافق ذلك تحريك مؤيديها وجيوشها الإلكترونية للدفاع عن هذه القضايا، مهما بلغت درجة الجدل أو الخطأ فيها. وبذلك، يجد السوريون أنفسهم في دوامة مستمرة من الأزمات المفتعلة، تُبعدهم عن قضاياهم الأساسية، في ظل تدهور اقتصادي حاد وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع الخدمات الأساسية كالكهرباء والغاز والاتصالات.
التغوّل في حياة السوريين
تدرك السلطة، وفق هذا الطرح، أن الانتهاكات ذات الطابع الطائفي، والتي يُدعى فيها مدنيون للمشاركة عبر ما يُعرف بـ”الفزعات”، كما حدث في الساحل والسويداء والسقيلبية، لا تؤدي إلا إلى تعميق الانقسامات الاجتماعية وزيادة انعدام الثقة بين مكونات المجتمع.
ويُسهم تكرار هذه الممارسات في تفكيك البنية المجتمعية، وخلق ردود أفعال عنيفة وغير عنيفة، تجعل من الصعب تشكيل كيانات سياسية أو نقابية عابرة للطوائف.
في هذا المناخ، يصبح أي تحرك مدني جامع، مثل تنظيم احتجاجات تضم أطيافاً مختلفة، أمراً بالغ الصعوبة، وإن تحقق فإنه يشكل تهديداً مباشراً للسلطة، ما يدفعها إلى مواجهته بردود غير متوقعة.
ويُستشهد في هذا الإطار بالدعوات التي أطلقها موالون لتنظيم مظاهرات مضادة لوقفة باب توما في 22 آذار/مارس، والتي جاءت احتجاجاً على قرار منع بيع الكحول، في خطوة تعكس اتجاهاً نحو تكريس الانقسام المجتمعي.
ولا تقتصر دلالات هذه الوقفة على رفض القرار بحد ذاته، بل تتجاوز ذلك إلى الاعتراض على ما يُنظر إليه كتغوّل متزايد للسلطة في تفاصيل الحياة اليومية للسوريين.
كما تندرج ضمن الدفاع عن الحريات الشخصية، ورفض وصم طائفة بعينها بسلوكيات غير مقبولة لدى أطراف أخرى.
العنف لقمع الاحتجاجات وتكريس السيطرة
في السياق ذاته، لا يمكن فصل الهجوم على السقيلبية عن مسار أوسع يهدف إلى قمع أي احتجاجات ضد السياسات المعيشية أو الإدارية أو الحقوقية.
إذ يُنظر إلى هذه الحوادث بوصفها وسيلة لبث الخوف في نفوس المواطنين، ودفعهم إلى مزيد من الانكفاء والخضوع.
وقد برزت خلال الفترة الأخيرة سلسلة من القضايا التي شغلت الرأي العام، مثل ملاحقة المفطرين في رمضان، ومنع تبرّج الموظفات، وقرار حظر بيع الكحول، ما يعكس نمطاً متكرراً في تحويل الأنظار نحو قضايا جدلية، بعيداً عن الأزمات الاقتصادية والمعيشية.
في المقابل، ترافق هذا المسار مع تصاعد في حملات التحريض الطائفي والقومي، ما أدى إلى زيادة الاستقطاب داخل المجتمع.
وبحسب هذا التحليل، لم تعد السلطة تبدي اهتماماً يُذكر بردود الفعل، مع اعتماد الانتهاكات كسياسة ثابتة، وهو ما انعكس في حوادث سابقة، بينها مجازر شهدتها حلب على هامش القتال مع فصائل كردية.
أما في السقيلبية، فقد أظهرت مقاطع مصورة قيام مجموعات من مدنيين من مدينة قلعة المضيق باقتحام المدينة، وترهيب سكانها، وتحطيم محتويات متاجر ومقاهٍ، وسرقة ممتلكات، وذلك على مرأى من دوريات الأمن العام، وفق ما تم تداوله.
بين القمع ومآلاته
تُظهر هذه الوقائع أن القمع لم يعد يقتصر على استهداف أفراد أو مجموعات محددة، كاعتقال صحافيين أو تقييد حرية التعبير، بل بات يمتد إلى المجتمع ككل عبر انتهاكات جماعية ومجازر تهدف إلى إخضاعه بالكامل.
وفي هذا الإطار، يُطرح تساؤل حول مستقبل أي سلطة تبدأ عهدها بهذه السياسات، وما إذا كانت بذلك تساهم، بشكل غير مباشر، في رسم مسار معارضتها وإسقاطها.
وإذا كان هذا السيناريو وارداً حتى بالنسبة لأنظمة تمتلك بعض الإنجازات، فإنه يبدو أكثر ترجيحاً في حالة سلطة بدأت مسارها بالأخطاء والانتهاكات.
اقرأ أيضاً:سوريا 2026: تصاعد الانتهاكات الحقوقية وتزايد الخروقات الإسرائيلية في الجنوب
اقرأ أيضاً:تقرير حقوقي: توثيق مقتل 3666 مدنياً في سوريا خلال 2025