سوريا على صفيح القرارات: تعيينات مثيرة للجدل واحتجاجات تتسع وشارع يغلي

داما بوست -خاص

تشهد سوريا منذ عدة أسابيع حالة من الاحتقان الشعبي والسياسي، في ظل سلسلة قرارات حكومية متزامنة طالت قطاعات حيوية: الدبلوماسية، التعليم، الوظائف العامة، الأمن، والتجارة، ما أعاد إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول معايير الحكم، وآليات اتخاذ القرار، ومدى انسجام الخطاب الرسمي مع الواقع المعيشي.

هذا التحقيق يرصد أبرز الملفات الجدلية التي فجّرت غضب الشارع، ويبحث في السياق العام الذي يجمعها.

إقرأ أيضاً: وقف استيراد مواد غذائية أساسية قبيل رمضان يثير غضبًا واسعًا في الشارع السوري

تعيينات الخارجية: دبلوماسية بلا دبلوماسيين؟

أثارت قرارات وزارة الخارجية السورية بتعيين قائمين بأعمال في عدد من السفارات موجة انتقادات واسعة، بعد تداول معلومات تفيد بأن المعينين لا يملكون أي سجل سياسي أو خبرة دبلوماسية أو معرفة بإدارة الملفات الخارجية.

الأكثر إثارة للجدل أن معظم الأسماء المتداولة تنتمي إلى دوائر القرابة أو المعرفة الشخصية للوزراء والمسؤولين، ما أعاد إلى الواجهة تهمة المحسوبية وتدوير النفوذ، في وقت تحتاج فيه سوريا إلى دبلوماسية احترافية قادرة على إدارة ملفات معقدة في مرحلة حساسة.

ويرى مراقبون أن هذه التعيينات تضرب مبدأ الكفاءة، وتحوّل السلك الدبلوماسي إلى امتداد للعلاقات الشخصية، لا مؤسسة دولة.

تصريحات الشرع والجندي الروسي: زلّة سياسية أم رسالة مقصودة؟

أثارت تصريحات الشرع حول “شجاعة الجندي الروسي” جدلًا واسعًا، خاصة في ظل ذاكرة سورية مثقلة بدور روسيا العسكري خلال السنوات الماضية.

وانقسم الشارع بين من اعتبر التصريحات استفزازية وبين من اعتبرها بأنها لا تأخذ مشاعر ضحايا القصف والدمار في الحسبان، وبين من رأى فيها محاولة لتلميع صورة دولة عظمى على حساب مشاعر السوريين.

ويحذر محللون من أن مثل هذه التصريحات، في توقيت داخلي بالغ الحساسية، تعكس انفصال الخطاب السياسي عن المزاج الشعبي، وتفاقم فجوة الثقة.

مكاتب الشحن الجوي: تنظيم أم احتكار مقنّع؟

قرارات ترخيص مكاتب الشحن الجوي أثارت بدورها تساؤلات حول المعايير المعتمدة، خاصة بعد شكاوى من استبعاد شركات صغيرة لصالح عدد محدود من الجهات.

ويرى عاملون في القطاع أن القرارات الجديدة خاصة مع فرض مبالغ مالية طائلة للترخيص وكـ كفالة، تفتح الباب أمام الاحتكار، وتقيّد المنافسة، ما سينعكس مباشرة على أسعار الشحن والخدمات، ويزيد الأعباء على التجار والمواطنين.

الكهرباء: ارتفاع جديد يفاقم الأزمة المعيشية:

قرار رفع أسعار الكهرباء في وقت تعاني فيه غالبية العائلات السورية من تدهور القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف المعيشة.

واعتبر مواطنون أن القرار حمّلهم عبء فشل السياسات الطاقية، بدل البحث عن حلول عادلة، أو محاسبة الهدر والفساد في القطاع.

التعليم في مهبّ القرارات: إضراب ونقل وفصل:

إضراب المعلمين في الشمال السوري:

دخل إضراب المعلمين في الشمال السوري مرحلة مفتوحة، احتجاجًا على ضعف الرواتب، غياب الاستقرار الوظيفي، وعدم تنفيذ وعود رسمية، ما أدى إلى توقف جزئي أو كامل للعملية التعليمية في مئات المدارس.

نقل المعلمين:

قرار نقل المعلمين في اللاذقية وطرطوس إلى مناطق بعيدة عن أماكن سكنهم أثار موجة غضب، إذ تجاهل الظروف الأمنية والاقتصادية وتكاليف النقل، واعتُبر سياسة ضغط غير مباشرة لدفع المعلمين إلى ترك وظائفهم.

فصل الموظفين: القنيطرة، اللاذقية، طرطوس:

في القنيطرة واللاذقية وطرطوس، نُفذت قرارات فصل جماعي لموظفين دون إنذارات كافية أو توضيحات قانونية، ما فجّر احتجاجات واسعة.

الموظفون المفصولون وصفوا القرارات بأنها تعسفية، وتندرج ضمن سياسة “تقليص ناعم” للوظائف، دون بدائل أو شبكات أمان اجتماعي.

احتجاجات اقتصادية: السوق والشارع في مواجهة القرار:

سوق الهال في مدينة الباب:

احتج تجار سوق الهال في مدينة الباب بريف حلب على تغيير صيغ العقود السابقة، مطالبين بإعادة السوق إلى البلدية، محذرين من الفوضى الإدارية وضياع حقوقهم.

إزالة البسطات في حلب:

قرار إزالة البسطات في مدينة حلب فجّر غضب أصحابها، الذين رأوا فيه قطعًا لمصدر رزق آلاف العائلات، دون تقديم بدائل حقيقية، تحت عناوين “تنظيم المدينة” و”المنظر العام”.

محردة: الأمن الغائب والسلاح المنفلت:

شهدت مدينة محردة بريف حماة احتجاجات على خلفية الفلتان الأمني وانتشار السلاح، بعد مقتل الشاب إيلي نجار.

الاحتجاجات عكست خوفًا متزايدًا من غياب المحاسبة، وتراجع الثقة بالقدرة على فرض الأمن، في ظل تكرار الجرائم.

الغذاء ورمضان: قرار يزيد النار اشتعالًا:

قرار إيقاف استيراد مواد غذائية أساسية خلال شهر شباط، بالتزامن مع اقتراب رمضان، شمل: البطاطا، الملفوف، القرنبيط، الجزر، الليمون، الفريز، بيض المائدة، الفروج الحي والطازج والمجمد.

القرار أثار استياءً واسعًا، وسط مخاوف من ارتفاع الأسعار وفتح باب الاحتكار، في وقت تعاني فيه الأسر من صعوبة تأمين الغذاء الأساسي.

أزمة قرارات لا أزمة ملفات:

ما يجمع هذه القضايا المتنوعة ليس تزامنها فقط، بل نهج واحد في إدارة الشأن العام:

1- قرارات تُتخذ من أعلى دون إشراك المتأثرين بها

2- غياب الشفافية والمعايير الواضحة

3- تحميل المواطن كلفة الأزمات

4- توسّع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي

يرى مراقبون أن سوريا لا تعاني من نقص القوانين أو الخطط، بل من غياب الثقة، وأن استمرار تجاهل الاحتجاجات المتفرقة قد يحوّلها إلى حالة احتجاجية عامة.

في بلد أنهكته الحرب، لم يعد الشارع يطالب بالمستحيل، بل بأبسط حقوقه: عدالة، كفاءة، وقرارات تُبنى لمصلحة الناس… لا فوق رؤوسهم.

إقرأ أيضاً: تحت شعار “بدنا نعيش”.. موجة احتجاجات تكشف عمق الأزمة المعيشية وفشل السياسات الحكومية

إقرأ أيضاً: إضراب معلمي الشمال السوري يدخل مرحلة مفتوحة وسط مطالب بتحسين الرواتب والاستقرار الوظيفي

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.