انهيار القوة الشرائية وتصاعد التضخم: نظرة معمقة على الاقتصاد السوري في ديسمبر 2025

داما بوست -خاص

أبرز التحديات الاقتصادية في ديسمبر 2025:

  • تدهور حاد في القوة الشرائية: على الرغم من الزيادات الاسمية في الرواتب الحكومية، إلا أن ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم الجامح أدى إلى تآكل قيمة الدخل بشكل كبير، حيث أصبح الحد الأدنى للرواتب لا يغطي سوى جزء ضئيل من الاحتياجات الأساسية.
  • تقلبات حادة في سعر صرف الليرة السورية: شهدت الليرة السورية تراجعًا مستمرًا أمام الدولار الأمريكي في السوق الموازية، مما فاقم من التضخم ودفع المواطنين إلى فقدان الثقة بالعملة الوطنية.
  • ارتفاع قياسي في أسعار الذهب: اتجه السوريون إلى الذهب كملاذ آمن للحفاظ على قيمة مدخراتهم في ظل عدم استقرار الليرة، مما أدى إلى ارتفاع تاريخي في أسعاره خلال ديسمبر 2025.

 

مقدمة:

شهد الاقتصاد السوري في ديسمبر 2025 استمراراً للوضع المعيشي الصعب الذي يعاني منه المواطنون، حيث برزت عدة مؤشرات سلبية تعكس تدهوراً مستمراً في القوة الشرائية، وتقلبات حادة في سعر صرف الليرة السورية، وارتفاعاً قياسياً في أسعار الذهب. هذا التدهور يأتي في سياق ضعف بنيوي عميق للاقتصاد السوري، الذي فقد أكثر من نصف حجمه مقارنة بما قبل عام 2011، وتوقعات دولية تشير إلى مسار طويل وصعب للتعافي.

الوضع المعيشي وتآكل القوة الشرائية:

تعتبر القوة الشرائية للمواطن السوري في أدنى مستوياتها التاريخية، حيث يعاني ما يقرب من 90% من السكان من الفقر. الزيادات الاسمية التي طرأت على الرواتب، خاصة في القطاع الحكومي، لم تتمكن من مواكبة الارتفاع المتسارع في تكاليف المعيشة. على سبيل المثال، على الرغم من الزيادات الكبيرة في الرواتب الحكومية التي وصلت في بعض الحالات إلى 200% وحتى 400%، إلا أن قيمة هذه الرواتب لا تزال ضئيلة للغاية مقارنة بالاحتياجات الأساسية. في دمشق، تجاوزت تكلفة المعيشة الأساسية لعائلة مكونة من خمسة أفراد 10 ملايين ليرة سورية شهرياً، بينما لا يزال الراتب الأدنى لا يكفي لتغطية نفقات الأسرة لأكثر من يومين ونصف، مقارنة بما كان عليه سابقاً حيث كان يغطي أسبوعاً كاملاً.

تأثير التضخم وارتفاع الأسعار:

بلغ التضخم في سوريا مستويات غير مسبوقة، حيث تجاوز 200% في عام 2025، ومع تحذيرات أممية من قفزات إضافية في عام 2026. ارتفعت أسعار السلع الأساسية بشكل تراكمي تجاوز 50% خلال النصف الأول من عام 2025. ومن الأمثلة البارزة على ذلك رفع أسعار الكهرباء إلى 1800 ليرة للكيلوواط الساعي، مما أدى إلى قفزة في فواتير الكهرباء بنحو 60 ضعفاً في بعض الحالات، الأمر الذي أثار استياءً شعبياً واسعاً.

سعر صرف الليرة السورية:

شهدت الليرة السورية في ديسمبر 2025 استمراراً لعدم استقرارها وتقلباتها أمام الدولار الأمريكي. بينما أبقى مصرف سوريا المركزي على سعر صرف ثابت في تعاملات البنوك عند حوالي 11,000 ليرة للدولار، إلا أن السوق الموازية (السوداء) شهدت تراجعاً ملحوظاً. سجل سعر الدولار في السوق الموازية مستويات تراوحت بين 11,700 و 12,000 ليرة سورية للشراء والبيع في دمشق وحلب وإدلب، وقد وصل في بعض التقديرات إلى 13,000-15,000 ليرة سورية بنهاية الشهر. هذا التدهور يعكس ضعف الإنتاج المحلي، واستمرار العقوبات الدولية، والاعتماد الكبير على الواردات، مما يؤدي إلى فقدان الثقة بالليرة السورية ودفع المواطنين إلى اكتناز العملات الأجنبية بعيداً عن المصارف.

يوضح الرسم البياني التالي التحديات الرئيسية التي يواجهها الاقتصاد السوري في ديسمبر 2025، مع التركيز على تدهور القوة الشرائية، ارتفاع التضخم، وتقلبات سعر الصرف. هذه البيانات هي تحليل رأي يعكس الوضع العام.

 

أسعار الذهب كملاذ آمن:

في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي وتدهور قيمة الليرة السورية، شهدت أسعار الذهب ارتفاعاً قياسياً في ديسمبر 2025. أصبح الذهب الملاذ الآمن المفضل للمواطنين للحفاظ على قيمة مدخراتهم. سجل سعر غرام الذهب عيار 21 نحو 1.35 مليون إلى 1.49 مليون ليرة سورية، مع ارتفاع بمقدار 20 ألف ليرة للغرام الواحد في بعض الأيام. ووصل سعر غرام الذهب عيار 24 إلى حوالي 1.7 مليون ليرة سورية. هذا الارتفاع يعكس الضغوط التضخمية الكبيرة ويفاقم من تكاليف الزواج والادخار للمواطنين، لكنه في الوقت نفسه يشير إلى لجوء السوريين للتحوط ضد تآكل قيمة أموالهم.

تأثير الزيادات في الرواتب الحكومية والقطاع الخاص:

على الرغم من إعلان الحكومة عن زيادات كبيرة في الرواتب والأجور في القطاع الحكومي بموجب المرسوم 102 لعام 2025، والتي وصلت إلى نحو 200%، إلا أن هذه الزيادات لم تكن كافية للتخفيف من حدة التضخم وارتفاع الأسعار. في القطاع الخاص، لم تُطبق الزيادات بنفس الفعالية، حيث يتقاضى العديد من العمال أقل من 800 ألف ليرة سورية، مما يفاقم من الفقر ويدفع إلى هجرة العمالة الماهرة وغير الماهرة بحثاً عن فرص أفضل.

لمواجهة هذا الواقع، هناك دعوات إلى إطلاق عملة سورية جديدة مطلع عام 2026 من قبل الحكومة الانتقالية، في محاولة لاستعادة الثقة بالاقتصاد الوطني، ولكن التحديات لا تزال عميقة وتتطلب إصلاحات بنيوية شاملة ودعماً دولياً. التوقعات تشير إلى أن التعافي الاقتصادي قد يستغرق عقوداً، وفقاً لتقارير الأمم المتحدة والبنوك الدولية.

الرسم البياني أعلاه يمثل خريطة ذهنية توضح الترابط بين مختلف الجوانب الاقتصادية في سوريا خلال ديسمبر 2025. تبرز الخريطة كيف أن تدهور القوة الشرائية وارتفاع التضخم يتأثران بشكل مباشر بتقلبات سعر صرف الليرة وارتفاع أسعار الذهب. كما تشير إلى أن الزيادات في الرواتب، وإن كانت كبيرة اسميًا، لم تنجح في تحسين الوضع المعيشي بشكل فعال.

 

مقارنة بين متوسط الرواتب وتكاليف المعيشة:

يوضح الجدول التالي التباين الصارخ بين متوسط الرواتب وبعض تكاليف المعيشة الأساسية في سوريا خلال ديسمبر 2025. الأرقام تعكس التحدي الهائل الذي يواجهه المواطن السوري في تأمين احتياجاته الأساسية.

رؤية مستقبلية وتحديات مستمرة

التحديات الاقتصادية في سوريا ليست مجرد أرقام، بل هي واقع يومي يؤثر على حياة الملايين. يتطلب التعافي الاقتصادي في سوريا جهوداً مضنية على المدى الطويل، تتجاوز مجرد زيادة الرواتب الاسمية. يحتاج الأمر إلى سياسات نقدية قوية لضبط سعر الصرف والتضخم، وإصلاحات هيكلية لدعم الإنتاج المحلي، وتخفيف للعقوبات الدولية، بالإضافة إلى دعم دولي كبير لعملية إعادة الإعمار. بدون هذه الخطوات المتكاملة، سيستمر الوضع المعيشي في التدهور، وستظل آمال التعافي بعيدة المنال.

يوضح الرسم البياني التالي تقديرًا لمدى تأثير العوامل الاقتصادية المختلفة على جودة الحياة في سوريا خلال ديسمبر 2025. هذه البيانات هي تحليل رأي يعكس الوضع العام.

الخاتمة

يُظهر المشهد الاقتصادي السوري في ديسمبر 2025 صورة قاتمة لتدهور مستمر في القوة الشرائية، تفاقم التضخم، وعدم استقرار العملة الوطنية. على الرغم من بعض الإجراءات الحكومية لزيادة الرواتب، إلا أنها لم تتمكن من توفير الإغاثة اللازمة للمواطنين الذين يواجهون صعوبات جمة في تلبية احتياجاتهم الأساسية. يُعد الذهب ملاذاً أخيراً للبعض، لكنه يعكس في الوقت نفسه عمق الأزمة. يتطلب التعافي الشامل جهوداً دولية ومحلية منسقة، وإصلاحات اقتصادية حقيقية تتجاوز الحلول الجزئية، لضمان مستقبل أفضل للشعب السوري.

إقرأ أيضاً: الاقتصاد السوري في 2025: رمال متحركة بين التعافي الهش والتحديات العميقة

إقرأ أيضاً: تراجع الليرة وارتفاع الذهب في سوريا: تقاطعات السوق العالمية

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.